بطولات فضائية

لا علاقة لهذه “البطولات” التي نسعى لتسليط الضوء عليها بعلوم الفلك والكواكب والفتوحات الفضائية، كما يبدو للوهلة الاولى وخاصة لغير العراقيين، والذين يعرفون وحدهم المعنى الذي نشير اليه؛ أي غياب وعدم وجود مثل تلك البطولات، كما هو حال الاعداد الهائلة من الموظفين والمنتسبين الفضائيين، والتي تعرفنا عليها بنحو واضح وسافر بعد سقوط ثاني المدن العراقية في حزيران من العام 2014. بعد تلك النكسة برزت على مسرح الاحداث نوع من الزعامات والبطولات المسكونة بعشق الاضواء والتنافس في مجال الظهور والترويج الاعلامي لذواتهم المتورمة. مخلوقات تجيد تقمص أدوار البطولة الزائفة في جبهات القتال على حساب الجنود المجهولين والابطال الحقيقيين لتلك المنازلات والمعارك المشرفة. لقد عشت شخصيا مثل هذه المفارقات والظواهر في زمن مضى، وتعرفت على غير القليل من اولئك الجنود المجهولين الذين ناضلوا بشجاعة ورحلوا بصمت من اجل الكرامة والحرية والحقوق المشروعة للعراقيين في العيش كباقي الامم الحرة. ما يميز الابطال الحقيقيين؛ انهم بعيدون كل البعد عن كل ما يمت بصلة للنرجسية وحب الذات، لانهم سبيكة خالصة من التضحية والايثار، لذلك نراهم يندفعون لاجتراح المآثر من دون منة او فضل يدعونه على الآخرين، كما ينضح عن أصحاب “البطولات الفضائية” ممن يعدون انفسهم اصحاب فضل عظيم على الآخرين، مما يستدعي من المجتمع والدولة تعويضهم عن كل تلك المآثر الفضائية التي اجترحوها، على حساب “من قضى نحبه ومن ينتظر” ليرحل بصمت بعيداً عن الاضواء والابواق.
لقد أكد لي مثل هذه المفارقات المؤلمة، احد الاقرباء العاملين في صفوف القوات المسلحة، عندما التقيته مؤخراً وكان قد عاد من الشرقاط في اجازة قصيرة؛ حيث حدثني عن هذين المعسكرين (البطولات الحقيقية والبطولات الفضائية) عن قادة عسكريين ومراتب وجنود سطروا اروع الملاحم في ساحات القتال، ولم نسمع عن اسمائهم شيئاً، على العكس من أولئك الذين لايكفوا لحظة عن استعراضاتهم الصورية بين الخنادق والمتاريس. ان هذا الخلل البنيوي، الذي يشرع الابواب أمام قراصنة المنعطفات التاريخية، لسرقة تلك المحطات المشرقة من التضحيات والبطولات وروح الايثار من اصحابها الحقيقيين، واستثمارها بابشع صورة ممكنة للوصول لغاياتهم الضيقة والمتنافرة والمصالح العليا للوطن والناس؛ يتكامل ومشهد الفساد الشامل الذي بسط نفوذه على شتى الميادين المادية والقيمية. كما ان هذه الاعراض المرضية، تكشف لنا حجم تورط قسم كبير من المؤسسات “الاعلامية” في هذا الخراب القيمي الذي يهددنا جميعاً. ان عملية فك الاشتباك بين هذين المعسكرين ليس بالامر اليسير، خاصة وان تداعيات ذلك ستقصم ظهر معسكر (البطولات الفضائية) والذي يكرس كل مواهبه وقدراته في مجال المكر والدهاء، كي تبقى الوشائج ملتبسة بينهما، ولا تعوق حركة مرور الصور والاحداث المزيفة لقاعدة واسعة من المتلقين.
لا نحتاج الى جهد كبير كي نكتشف نوع العلاقة الوثيقة التي تربط اصحاب البطولات الفضائية بالطبقة السياسية الفاسدة وحيتانها ومراكز نفوذها، كونهما يكملان بعضهما البعض الآخر. حيث المعايير المقلوبة والمعتمدة لديهم على شتى الصعد، تنسجم ومنظومة القيم والغايات المعتمدة لدى تلك الطبقة الفاسدة، والتي لا تتوانى عن استعمال كل الاساليب المنحرفة لقطع الطريق امام كل محاولة لوضع الانسان المناسب في المكان المناسب، كما انهم جميعاً لا يطيقون مواجهة ملامحهم الحقيقية بوجود الاصحاب الشرعيين للبطولة والايثار..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة