أين الأمم المتحدة؟

/ لبعض نسمات التفاؤل باختيار السياسي البرتغالي أنطونيو غوتيريس رسميًا لشغل منصب الأمين العام للأمم المتحدة خلفا لبان كي مون ما يبررها إذ صارت المنظمة الدولية في خبر كان بالنسبة للقضايا التي تكفلت بها في ميثاق 1945 وحلت الولايات المتحدة محلها، مرجعية تشريعية وتنفيذية.
/فقد تابعنا تقارير تؤكد ان للرجل آراء اصلاحية قد تعيد المنظمة الى الصدارة، وهي تمنيات ليس إلا، بعد ان كاد العالم ان مسؤولية الامم المتحدة في حل المشكلات الخطيرة التي تعصف في عالم مابعد الحرب الباردة. في هذا، احصى معهد غربي قبل فترة ما يزيد على مائة وستين مشكلة تعصف بالشرق الاوسط والدول الاعضاء في المنظمة الدولية مما تحسب على مسؤوليتها، لكنها تقف عاجزة عن تقديم اية مساعدة لتلك الاقاليم والدول، إما لأنها لا تملك اموالا كافية، او ان احداً لم يطلب منها التدخل، او ان اطراف الازمات لا يسمعون ما تقوله الامم المتحدة ويفضلون تدخل اعضاء اكثر هيبة وتأثيرًا و»فلوساً» أو ان اطرافاً «مؤثرة» لا ترغب في اشراك اطراف منافسة في التدخل.
/والحق انه لم يسبق للامم المتحدة، منذ امينها العام الاول النرويجي تريغف هالفان لي(1946) ان وقفت متفرجة على ما يحدث في العالم من كوارث وانشقاقات وحروب واعتداءات كما هي الان في عهد الكوري الطيب بان كي مون الذي لا يتحمل، طبعاً، وزر هذا المآل المؤسف للمرجعية الدولية، واغلب الظن، لا يتحمله أي امين عام سابق على تفاوت الجهود والطاقات والمحاولات التي بذلها اولئك الرجال الذين تتالوا على منصب قيادة المجتمع الدولي.
/واللافت ان حماسة زعماء العالم لاستعمال منبر الامم المتحدة تراجع في غضون السنوات الاخيرة خلاف ما كان قبل انهيار القطبية الثنائية في مطلع التسعينيات، فمثلا، اضطر مندوبو الدول الأعضاء في سبتمبر من عام 1968 الجلوس على مقاعدهم أربع ساعات للاستماع الى خطيب واحد سمح له بالاستطراد كل هذا الوقت وسط ذهول مسؤولي الجلسة الذين لم يستطيعوا التدخل، وكان الخطيب فيدل كاسترو الذي لا يمثل في الواقع بلداً مؤثراً على خارطة العالم وليس له ثقل عسكري أو اقتصادي ذو قيمة استراتيجية، غير انه في عام 1995، وفي الشهر نفسه، لم يسمح لكاسترو الا بسبع دقائق ليلقي خطاباً لم يلفت نظر أحد، وتلاشى صوته الجهوري في قاعة خلت مقاعدها من كثير من المندوبين، وكان نفسه غير آسف على ذلك. /وفي الذكرى السبعين لميلاد الأمم المتحدة التي مرت العام الماضي نعى كثيرون الدور الذي يمكن ان تلعبه في اطفاء بؤر التوتر وتجسير الخيارات المتضاربة بين الدول واشاعة اجواء الثقة والبحث الموضوعي لتكوين ارادة السلم والاستقرار، وتذكروا كيف كان الامين العام السابق كوفي عنان يقف حائراً أمام استعصاء الحل للتوترات الناشئة، وكان يعتذر لمندوبي الدول التي تطلب النجدة قائلا: «لقد مضى ذلك الزمان» وكأنه كان يشير الى تلك الأيام الغابرة للمنظمة الدولية، حيث كان خروتشوف يقذف بحذائه الى الصالة من دون عقاب.
*******
بوذا:
« لا يمكنك الارتحال في طريق إلا حين تصبح أنت الطريق».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة