صديق بروح عدو

تختلف أمراض الوسط الثقافي عن أمراض المجتمع بكونها تنتهي برؤوس لها لسان أشمط سليط مشطور، يلدغ ويضم رأسه ليوحي بأنه ينطق باسم الجميع. ولأن أمراضه كثيرة إلا ما ندر لا نتفاجأ برؤوس لا تعد ولا تحصى، وتستدير برمشة عين من أقصى اليسار الى أقصى اليمين بدون وجع قلب ولا عطسة ضمير. ينزل من أعلى طابق للاخلاق الرفيعة والادب الجم بمصعد ميكافيلي وروح فاوست الى حضيض ابتزاز فتاة غدر بها الحبيب ورماها بين أشداق تماسيح الثقافة لأنها كانت موهومة بسمو أرواح هذا الوسط إلا ما ندر، ومخدوعة بأقلامهم المستقيمة بالحب والوفاء والتضحية، لا تدري بأن أقلامهم سرعان ما تتلوى الى حيات وأفاعي تلدغ ما تشاء بغير حساب، تقلب المجرم نبي قديس، وتحول اللص الى ملاك بجناحين من العفة والنزاهة. كل هذه المقدمة عن صديق اشتكى لي من صديقي آخر برؤوس كثيرة وراح يقول لي :
ـ هذا ما حدث معي حين كشفت له (يقصد الصديق برؤوسه الكثيرة) بعض العيوب في كتابه ـ المنزل من السماء ـ فلم يرد علي بل دس زعاف سمومه الى ألسنة رؤوسه الكثيرة فانطلقت هذه تلوث صورتي أمام بقية الاصدقاء وتنثر حولي الاتهامات مثل : فلان طائفي، مريض بفوبيا البعث وصدام، عدمي مقفول على وعي قديم، عقله بسيط وساذج، أنا خططت له كتبه وساعدته في المفاصل المهمة واخراجها للنشر ، ان فلان بالحقيقة انا صنعته من لا شيء وأتحمل ذنب خلق كاتب دعي غبي ضحل، أنا المسؤول عن لمعان اسمه لكني سوف اطمسه في الوحل مثلما رفعته في سماء الثقافة، سوف اجعله يتلوث أمام جميع أصدقائنا لتطاوله علي وكشف عيوب كتابي ـ طبعا هي ليست عيوب إنما غزل افلاطوني لأصحاب الجوائز لكي أفوز بقلب جوليت وثروة تولستوي قبل ان يوزعها على الفلاحين، ونجومية وشهرة ألفيس بريسلي.
وفعلا نجح هذا الصديق برؤوسه الكثيرة في تلويث سمعتي، لا لأنه بارع في الشر فقط بل لأن هؤلاء الاصدقاء ممن اقنعهم بأكاذيبه يشبهونه بكثرة رؤوس الامراض الناطقة، وقد رأيت كيف انسحب احد الاصدقاء وغاب متسللا وكأني سوف لن أحضى به وافتقده واعرف بأنه سقط فريسة لبراعة شر صديقي. ورأيت الاخر كيف رأني وغلس كأنه بعيد عني ولم يراني (طبعا أنا لا احذف حرف العلة لأن اللغة كلها علة في علة) وراح يذوب في الزحام. وبعض الاصدقاء كانوا مدمنين على صفحتي في الفيسبوك، أراهم من خلال الاعجاب والتعليق وفجأة اختفوا وكأنهم غير موجودين لا في العالم الافتراضي فقط والعالم الواقعي كذلك.
السؤال هنا : لماذا لم يكلف نفسه أي من هؤلاء الاصدقاء لمعرفة المشكلة من الطرفين ولا يكتفي بسماع طرف الصديق اللدود، هل كان يتمنى هؤلاء الاصدقاء هذه الافتراءات علي لقطع العلاقة معي، أم انهم يعيشون عصر الرخص والابتذال والسطحية لدرجة عدم معرفة معنى الصداقة، وإن سر الصداقة عندهم تجارة وبيع وشراء القلوب ؟ هل تكمن قيمة الكائن البشري وعظمة خلقه ووجوده بكم كلمة حقيرة يدسها علي صديق، أم ان الشعور بتفاهة النفس تجعل حتى الحب تافه ؟
قلت لهذا الصديق المدمر الذي يشتكي : اذا تريد احترام نفسك وقلبك وعلقك وروحك عليك ان تسامحه وان تحبه.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة