100 حزب والحبل عالجرار

بشرتنا المفوضية العليا المستقلة للانتخابات عن وصول عدد الاحزاب المسجلة لديها للمشاركة بماراثون الانتخابات المقبلة الى حاجز المئة حزب، وما زالت الفرصة سانحة للانضمام اليه الى نهاية العام الحالي، مما يبشر بتجاوز هذا الرقم القياسي لندخل سجل غينس للفتوحات الديمقراطية من أوسع أبوابه. كل هذا الطوفان من الجرائم والكوارث، وما زال بمقدورنا الضحك على انفسنا بنحو لم تعرفه تجارب التحولات السياسية والاجتماعية من قبل. الا تثيركم مثل هذه الارقام في هذا العصر الرقمي؟ ما الذي يمكن حدوثه كي تحسوا بالعار من كل هذه الاوضاع والممارسات التي ادمنتم عليها؟ هذه والكثير من الاسئلة التي تتساقط عند اسوار هلوساتكم وهذياناتكم المبجلة. لا شيء سوى اطوار اخرى من الغيبوبة التي بسطت هيمنتها على تضاريس هذا الوطن القديم من دون ادنى التفاتة للمحطات العقلانية في تاريخه البعيد والقريب.
مع مثل هذه المعطيات الاولية للجولة المقبلة من الانتخابات، لا يمكن التعويل على اية تحولات جدية في الواقع السياسي، خاصة بعد انخراط الاحزاب والكتل والزعامات المسؤولة عما انحدرنا اليه في الاعوام الاخيرة، في هذا الماراثون وتشكيلها للاغلبية المطلقة فيه. كما لا يخفى على المتابع الموضوعي للمشهد الراهن، حقيقة بعد هذه الاحزاب والكتل عن المعايير المعروفة عن طبيعة الاحزاب السياسية الحديثة (تركيبتها حياتها الداخلية وبرامجها) وهذا وحده كفيل برسم المشهد ونوع المستقبل الذي ستهدينا اياه جولة الانتخابات المقبلة. ما الذي تشير اليه مثل هذه الارقام القياسية والمعطيات غير اننا جميعاً (جماعات وافراداً، جهات رسمية وشعبية) متفقون ومصرون على مواصلة منهج التشرذم حتى تخومه النهائية، فمثل هذا التمادي والاستهتار والاستخفاف بحاضر ومستقبل الوطن والناس؛ لم يأتِ من فراغ، فهو يستند الى احتياطات هائلة من القيم والعقائد والاولويات المتخصصة بشل كل القدرات الحيوية للمجتمعات والافراد. هذا الاغتراب الهائل عن هموم وتحديات عصرنا، يمتد بجذوره الى اغوار ذلك الركود والتفسخ الذي بسط سطوته على طلول حياتنا الروحية والقيمية.
انها فضيحة من العيار الثقيل، لا تنحصر بالقوى والكتل والاحزاب المتنفذة وحسب، بل هي تشمل بقوة أكبر، المتنطعين لوظائف التشريع وسن القوانين ومتابعتها، وجميع الشرائح المحسوبة على الانتلجينسيا، من مثقفين واساتذة جامعات واعلاميين وعاملين في الشأن السياسي والاجتماعي والمهني والناشطين في المجال النقابي والاقتصادي، وهي مهمة كل المهتمين بالشأن العام. ان الاصلاح والتغيير الحقيقي يبدأ من هنا؛ من التشريعات والمؤسسات المسؤولة عن تنظيم العمل السياسي في البلد، ولا يمكن لكل عاقل قبول مثل هذا المشهد الغرائبي وهذا العدد الساخر من “الاحزاب” التي لا يسبر غور برامجها وغاياتها النهائية، اشهر المتخصصين في لعبة فك الاشتباكات المجربة بين اطراف المجتمع البشري (صناديق الاقتراع). لكنها ارادة وشراهة حيتان هذه الكتل التي تلقفت من دون وجه حق مقاليد الامور بعد الفتح الديمقراطي المبين، انها المصادفة التاريخية الظالمة التي سلطت احدى اكثر الطبقات السياسية تخلفاً وفساداً على مصائر سكانه من شتى الرطانات والازياء. مثل هذه الفتوحات والمآثر على الجبهة السياسية لا تختلف كثيرا عن اخواتها في الجبهات الاخرى والتي تكمل بعضها البعض الآخر، وتطيح بكل ما تراكم من اوهام واستعراضات وامنيات عن الاصلاح والتغيير..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة