تجار «الجنطة» وسياسيو «الجنطة»

في التجارة والمصالح هناك نمطان.. تاجرالجنطة (الحقيبة) الذي يسعى للربح السريع، فلا يؤسس لمشروع دائم اصيل.. فمشروعه كلفة بسيطة جداً، فهو «جنطة» يملأها بضاعة رخيصة سعراً وصناعة.. فهي احياناً سكائر مهربة، وما ينقل عبر الحدود، ولعب اطفال وادوات مطبخية وعدد حرفية واقمشة وملابس او حتى ادوية، انتهت نفاذيتها ، وكثير من الاشياء التي تدغدغ حاجات المستهلكين، فيبسطها على الارصفة، ويبيعها مستغلاً رخص ثمنها، فيربح سريعاً، ويلبي الزبون حاجته الاستهلاكية السريعة، والذي سرعان ما سيكتشف ان ما اشتراه لا يخدمه سوى لمدة قصيرة جداً. وهذا النمط من التجارة انتشر كثيراً في اسواقنا، لحاجة الناس لموارد رزق حتى وان كانت بسيطة، ولضعف النشاطات الاصيلة والحقيقية والمخدومة. والنمط الثاني هو التاجر او رجل الاعمال الذي يغامر بماله، ويصبر عليه لمدة طويلة من الوقت حتى يسدد الكلف التأسيسية، ويبدأ بتحقيق الموارد اللائقة لاستثماره. الفوارق بين النمطين كثيرة. فالنمط الاول استهلاكي ودورته قصيرة ودعايته الصوت المرتفع والاغراءات التي في معظمها مخادعة..، فلا يؤسس للاسواق الحقيقية او التنمية المستدامة والمتزايدة، ولا يتطور او يؤسس لنفسه قاعدة قوية، ولا يؤسس زبائنه، بل الزبائن هم الذين يؤسسون بضاعته من حيث الرخص والنوع والجودة.. فيسهم في تعميق الفقر بدل محاربته.. وزيادة المظاهر الشاذة الضعيفة في بناها ونتائجها. اما النمط الثاني، فهو انتاجي ودورته طويلة ويؤسس لاسواق منظمة وقوية ويكون اساساً لتنمية العمالة الحقيقية والقيم المضافة التي تشكل اساساً للاعمار والتنمية.. بل يؤسس هو زبائنه وفي احيان كثيرة اذواقهم وعاداتهم، ويسهم –عندما يؤسس تأسيساً صحيحاً- دوراً في التنمية البشرية وفي التطور العلمي والانساني. فشهدنا مثلاً كيف اسست صناعة السيارات والطائرات والاجهزة الكهربائية والالكترونية زبائنها وغيرت عادات الناس والبلدان، برغم ان كل من هذه المنتجات الجديدة كانت تثير خوف الناس واستهجانهم عند بداياتها، ثم تحولت الى ضرورات واساسيات لحياتهم.. وكيف استطاعت الوسائل الحديثة للزراعة والسدود وطرق الخزن والتنقية والتحلية والارواء والمكافحة من توفير مواد غذائية جديدة ومتطورة واجهت الزيادات الهائلة في تعداد السكان واسهمت بايقاف المجاعات الكبرى التي كانت تحصل في التاريخ. وكيف تطورت الجامعات الراقية والمستشفيات ومختبراتها التي كلفها التأسيسية عالية وطويلة، لكن مردوداتها النفعية والتطورية شاملة ومستدامة، وقس على ذلك.
في السياسة ايضاً هناك ساسة «الجنطة» الذين يتعيشون على العادات والافكار السلبية للناس.. فيغذونها ويتغذون بها.. يقابلهم القادة والمصلحون الذين يصنعون جمهورهم ويعيدون صقل الافكار والمناهج التي بها تتطور الامم والبلدان. فلا يخضعون لضغوطات اللحظة السلبية السائدة بين الجمهور، بل يسعون لاصلاحها وتطويرها. هؤلاء ليسوا ساسة المكاسب السريعة، والاهداف البائسة.. بل هؤلاء يصبرون على جهدهم واعمالهم، والتي من شأنها اعطاء نتائج عميقة وراسخة ومستديمة. بمثل هؤلاء –وليس بالنمط الاول- استطاعت شعوب وبلدان، عاشت اوضاعنا، من الانتقال من حالات الفقر والجهل والتخلف والمرض والبطالة والفساد والفوضى الى حالات الرفاه والغنى والتقدم والعلم والتنظيم والعمالة والانتاج.
من امثلة مجاراة الافكار والعادات السلبية هذا المثال: اقر مجلس النواب في شباط 2012 قانوناً يمنع التدخين في الاماكن والمؤسسات الحكومية.. فطرح موضوع اهمية إعمام الاحزاب لهذا القرار على مكاتبهم ومقراتهم لتطبيقه. وكانت البلاد تقترب من انتخابات مجالس المحافظات في 2013.. فجاء جواب بعضهم اننا في وقت انتخابات، ولا نريد ان نخسر ناخبينا المدخنين. بهذا يدرك المرء الفرق بين من يتعيش على العادات والافكار السلبية للجمهور، ومن يريد المصلحة الحقيقية للجمهور. وهنا يدرك المرء الفرق بين الخضوع للمطالب والحاجيات السلبية للزبون او للجمهور، وبين صناعة الزبون والجمهور، والارتقاء بحاجاتهم من حيث النوع والسلامة والديمومة والتجديد. النمط الاول يبحث عن مكاسب سريعة وان كانت بائسة ووهمية وضعيفة.. واالثاني يبحث عن مشاريع مفيدة وسليمة وقوية ومستدامة..ومما يؤسف له في اوضاعنا انتشار سياسيي «الجنطة» وكثرة زبدهم الذي يذهب جفاء، وقلة سياسيي المشاريع المستدامة والاعمال النافعة التي تنفع الناس فتمكث في الارض.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة