الأخبار العاجلة

دولة خيرية

ليس من الغريب على ارض التجارب التاريخية ان تشهد ولادة نوع من الدول لم تعرفه المجتمعات البشرية من قبل؛ الا وهو (الدولة الخيرية)، ويبدو انه يمثل طوراً خاصاً في شوط تطور الدولة الريعية، التي شهدت على مرابعنا تجليات لا مثيل لها في المواقف والقرارات المتهورة وغير المسؤولة، من الحروب الداخلية الى الاقليمية ومن ثم الدولية التي وضعتنا تحت وصاية المجتمع الدولي، ومن ثم المأثرة التي اجترحها المفاوض العراقي وعبقريته في استرداد السيادة الوطنية..؟!
تتحدث الاحصائيات عن امتلاك الدولة العراقية لاضخم جيش من الموظفين، لم تتمكن اعظم دولة عرفها تاريخ البشر (الولايات المتحدة الاميركية) من امتلاك نصف العدد الذي وصلنا اليه (أكثر من اربعة ملايين موظف)، هذه الأعداد التي تورمت بسرعة قياسية بعد زوال النظام المباد، لاسباب لا يسبر غورها الا الراسخون بعلوم المنقرضات والمومياءات، حيث أهدر “اولو الأمر الجدد” أعظم فرصة تاريخية وهبتها لنا الاقدار والغوث العابر للمحيطات ربيع العام 2003، عندما تبخرت “جمهورية الخوف” بعد ظهور شبح أول دبابة على أحد جسور بغداد. لقد تلقف حطام الدولة نوع من الكتل والزعامات تقع مهمة اعادة بناء الدولة العراقية في قعر اولوياتهم، لذلك لم يلتفتوا لرأس مهمات المرحلة الانتقالية، بعد اجراءات دفن جثة الدولة المبادة، أي التأسيس للدولة الحديثة استناداً للخبرة الهائلة التي راكمتها الامم في العقود الاخيرة. على العكس من ذلك انبروا لاعادة الروح لتلك الجثة عبر وابل من التعاويذ والفرامين المستمدة من مغارات القرن السابع الهجري. اهدروا فرصة ذهبية لا تعوض، عندما كان الراتب الشهري للموظف عسكرياً كان أم مدنياً قد وصل الى ادنى مستوى ولا يسد سوى الحاجات الاساسية للموظف ولايام معدودات. وعوضاً من وضع برنامج اقتصادي لاحياء روح العمل والانتاج والابتكار لدى العراقيين، عبر تقليص عدد موظفي الدولة، وتوفير الشروط والمناخات والتشريعات المناسبة لازدهار سوق العمل والتعليم والانتاج في حقول الصناعة والزراعة والخدمات والمراكز الاخرى، حولوا ما تبقى من انقاض الدولة السابقة الى ما يشبه المأوى ودور العجزة لاعداد هائلة من الباحثين عن دخل ثابت وسهل ومستقر. وعوضاً عن التعاطي المسؤول مع لحظة حل الجيش العراقي والمؤسسات العسكرية والامنية الاخرى، اعيد انتاج هذه المؤسسات بنحو أكبر واقل جدوى ومهنية من التجربة السابقة والتي الحقت بالوطن والناس كل هذا الدمار الذي عرفناه جميعاً.
هكذا حولوا ذلك الحطام الى ابتكارهم الفذ (الدولة الخيرية) التي جعلت من أكبر الموازنات في تاريخ العراق الحديث تقتفي اثر ذلك المثل المعروف (تركض والعشه خباز). حيث تذهب ثروة البلد الريعية (90% من النفط والغاز) بقسمها الاعظم الى ذلك الجيش العرمرم من الموظفين والذي انتزع لنا لقب أكثر الدول فشلاً مع الشقيقة الصومال واليمن السعيد وبقية ولايات خير أمة. اليوم تحاول الحكومة العراقية تأجيل المواجهة الحتمية مع أورام هذه النسخة المشوهة من الدول، عبر حزمة من العطابات والمسكنات، منها مشروع (اجازة الخمس سنوات) والذي سيلتحق سريعاً ببقية المحاولات المجهضة التي عودتنا عليها حكومات ما بعد “التغيير”، وحتى ندرك جميعاً جوهر التحديات الواقعية لا الخرافية التي تواجهنا (الاقتصاد وسبل تراكم الثروة) سنضطر لدفع المزيد من الفواتير برفقة مومياءات التاريخ وقراصنته..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة