جيرة» هيلين لويي: إيطيقا المسافة

روجيه عوطة

كنت جالساً على الكنبة، اشاهد فيلماً، عندما سمعت جلبة، يتخللها ضرب كثير. حسبت أن شخصاً ما يقرع باب شقتي بقوة، كأنه يريد خلعه. ولهذا، وقفت في مكاني، وبدأت بالتقدم نحوه خطوةً خطوة، وخلال ذلك، كانت الجلبة ترتفع بضرباتها. وصلت الى الباب، وعندها، انتبهت الى أن إحداهن عالقة في المصعد، وهي ما برحت تخبط بيدها على بابه، طالبةً النجدة. أسرعت إلى فتح الباب، وقلت للعالقة أنني سمعتها، فأخبرتني بنبرة هلعة بأنها جارتي في الطابق الثامن، وبأنه عليّ سحبها من المصعد.
رحت أفتش عمن يساعدني، وبعد طلوع ونزول منهكين، وجدت الميكانيكي المرجو، ففتح باب المصعد وحرر العالقة فيه.
استعدتُ هذه الحادثة على إثر كتاب (الجيرة: تفكرات حول التعايش الإنساني)، الذي أصدرته مؤخراً الفيلسوفة الفرنسية هيلين لويي عن دار Albin Michel وقد تناولت فيه مفهوم الجيرة بوصفه العلاقة الأكثر ديموقراطية بين العلاقات الإجتماعية. فجيراننا في البناية، على سبيل المثال لا الحصر، هم قريبون وبعيدون منا على حد سواء، وهذا ما تظهره صلاتهم بنا.
إذ نلتقي بهم عند بوابة المسكن، أو عند باب المصعد، أو على الدرج، أو في موقف السيارات، حيث نتبادل معهم الاستفهامات العابرة، مثل «كيفك؟»، وأطراف الكلام العاجل عن الطقس والسيارة. وربما، ونتيجة تكرار مصادفتنا لهم، سنعرف مواعيد عملهم، وأسماء أولادهم، وسننظر الى ثيابهم، لكننا سرعان ما ننسى ذلك كله، من دون أن نقصد هذا الفعل. فهم يقيمون في جوانبنا، لكننا لا نعيرهم أي حيّز من عواطفنا، كأصدقاء أو أحباء. نكتفي بملاقاتهم الزائلة، ولا نطمح الى شدها او تقويتها، لتستحيل أواصر وروابط. فنحن لسنا ملزمين بهم، وهم على هذه الحال اتجاهنا ايضاً.
تعتبر لويي أن الجيرة، ولو شابتها توترات أو مشكلات، كإزعاج سكان الطابق السفلي لنا بصوت المقدح أو رائحة الطعام أو بسلوك التطفل، تظل علاقة سليمة، ومن سماتها انها غير ضاغطة على أطرافها، كما أنها لا تستلزم منهم غير تحقيق شرط منفرد حيال بعضهم البعض، وهو حرص كل منهم على موطنه وموطن غيره، وهذا ما لا يتطلب الكثير من الوسع، لأن ظروفه متوافرة، وفي مقدمتها المسافة.
تركز لويي على ضرورة المسافة التي تستوي بين الأشخاص، متيحةً لهم ان يضحوا جيراناً، وأن ينطلقوا من جيرتهم لكي يعقدوا علاقة أخرى، تستند اليها، ولا تلغيها. فالمسافة هي التي تكفل انفصالهم ومجانبتهم، وبذلك تنتج تعايشهم بقلبها معاني القرب والبعد. اذ إن القريب هو الذي يحفظ مسافته من غيره الذي يعرفه، ولو بشكل خاطف، والبعيد هو الذي يحفظ هذه المسافة من دون أن يعرف غيره. والإثنان هما الجار، الذي، وبفعل بعده، لا يجتاز داره الى دار محاذية، وبفعل قربه، لا يتركها تتفحم إذا رآها تحترق.
على هذا الأساس، يغدو كتاب لويي مبحثاً في ايطيقيا الجيرة، من دون ان يرجع الى مقولات وقوانين الخصوصية والعمومية، بل ينطلق من المسافة، محاولاً النظر فيها كأنها أثاث الديموقراطية الفعلية، لا الوهمية، والتي لا تؤدي الى تدبر أي آخر سوى بالرجوع الى تصوّر ما عنه، وهذا ما لا يجعله آخر البتة. فعلى الرغم من قربنا المكاني من جيراننا، وعلى الرغم من ملاقاتنا لهم، فإننا بالكاد نعلم مَن يكونون، ليس بسبب سرّيتهم، أو قلة درايتنا، بل لأن جيرتنا لا تملي علينا أن نمسك بمعلومات عنهم غير أنهم ظريفو الطلة، إذ يلتزمون أمكنتهم، وفي الوقت عينه، لا يغيبون عنا.
فبحسب لويي، بمقدورنا ان نعيش بلا رفاق، لكن ليس بلا جيران، حتى لو كانت علاقتنا بهم تقتصر على أن نلمحهم سريعاً عند الصباح، أو على مساعدتهم عند انقطاع المصعد بهم. وهم، حتى لو كانوا جلفين، ولم يردوا السلام، ولم يوجهوا الشكر لنا، كحال جارتي سالفة الذكر، فرسائلهم هذه، لا تبطل جيرتنا لهم، لأنها في أصلها لا تُكرهنا وإياهم على شيء حيال بعضنا البعض، بل تسمح لنا بملاقاتهم عبر تلافيهم، وتلافيهم عبر ملاقاتهم أيضاً.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة