الكتابة بين نجومية الحياة والذات

مهند صلاح

الأدوار التي نتخذها للولوج نحو مناطق مضيئة و متوهجة من المستقبل الفكري تدفعنا للسؤال بشكل مستمر (لماذا كل هذا اللهاث وراء النجومية ؟!) هل إستطعنا أن نحدد الخيارات التي تمثلنا و ما نطرح في كل هذا الزحام و التسارع الزمني عند أفق لا يتسع سوى للقليل، و نحن نعي جيدا إن من كل هذا القليل لن يكون هنالك القدر الكافي الذي يستوعبه التاريخ (المعرفي) و ليس بإختيار (التاريخ) كناقل زمكاني، و إنما هنالك نقاط مشعة تغيب عن حركتنا العجولة. نقاط لا يراها سوى (الكاتب الحقيقي) لأنها لن تكون ملزمة بالتخفي عنده، فهو سيتعامل معها ببساطة و عفوية , فهي تشكل الهالة التي تحيط أعماله لتعبر بها نحو بوابة المستقبل.. ربما يظن الكثيرون بأن ممارستهم للفعل الكتابي أو الثقافي بشكل عام ستجعلهم من أصحاب النفوذ الأعلى أو سيكون لهم الحظ الأوفر لإختراق أسوار النجومية أو الإلتفاف حول (حقيقة) إنصهار الذات لتوليد (الجوهر الفكري) المتقد لنجومية الحياة. و لم يعي قسم آخر من الكتاب بأن أي إضاءة يحاولون أن يحيطوا بها أسمائهم سرعان ما ستنطفئ و تذهب أدراج الرياح , لأنها لم تكن بحجم ما أوكل لها من صناعة الأدوار الحقيقية للمستقبل.. إن (الكتابة الصادقة) و المتصالحة آنيا مع الحقيقة تشبه لحد ما (راهبا خالدا). فهي لا تنفك عن السعي نحو إنشاء أواصر معرفية تبتعد تماما عن حاملها عند (النشوء المعرفي). بل هي تؤسس لمراحل من التنوير دون الحاجة لأن تلتصق بهذا الإسم أو ذاك. و خير شاهد و مثال على ذلك هو ما وصل لنا من الآداب و الفنون و باقي العلوم في التاريخ الثقافي (العراقي _ العربي_ الغربي) على حد سواء. فلأي فترة زمنية هنالك جيوش من (الكتاب) بكافة صنوفهم و طروحاتهم , لكن ما وصل لنا منهم لم يكن سوى (الحقيقة) التي نتناولها بإنبهار فتدفعنا للسؤال عن كاتبها، و ليس العكس الذي نمارسه في تقديم (أسمائنا) الهلامية المتظخمة، و المليئة بالغرور على كتاباتنا التي نملأها بالكثير من البهرجة المؤقتة إعتقادا منا بأنها ستنفذ نحو نجومية المستقبل من أوسع الأبواب.. علينا أن نتدارك الأجيال التي تعاصر تجاربنا لنحاول أن ننتزع منها هذا (الفايروس) العقدي المليء باللهاث نحو (اللاشيء). أن نقدم بما تبقى لنا من (حقيقتنا) إن وجدت. دروسا تستحق أن نفتخر بها. عندما نجدها قد حولت مجرى البحث من (نجومية الذات) الى (نجومية الحياة)، و هنا فقط ستكون (الشعلة) هي المضيئة و المشعة أمام أميال من العقول بزيت الأفكار، و ليس حاملها. الذي سيحتفظ بالنصيب الأكبر من (الظل) الجميل، و الذي سيحاط بملايين الأسئلة، و الكثير من جوائز المجد،لأنه قدم (الحياة) على (الذات)، و أدرك بأن صناعته للمستقبل هي مهمته الأولى و الأخيرة التي أوكله القدر بها منذ الخط الأول له على ورق العقول و حتى رحيله الجسدي الذي لن يكون سوى إحتراقات كيميائية لن تفقد (أفكاره) لهيبها و لمعانها. فهي من ستعطيه الخلود الأكبر و النجومية الحقيقية , و هذا لن يتم ما لم يكن صادقا بكل طروحاته الفكرية و نتاجاته المعرفية.. إن كل هذا ينطبق أيضا على المصير الحتمي لكل (المجاميع_ المؤسسات _ الإتحادات _ النقابات) التي من شأنها أن تمارس أي فعل إبداعي أو تظن على أقل تقدير بأنه كذلك، و لها بكل ما تبقى أو تآكلته الأزمنة من المؤسسات أو طروحاتها. المثال الأكبر و الأغنى. لأنها ستعي حينها بأنها ستترك ما حملته من محتوى و ليس ما لهثت وراءه من زيف لا يتعدى (الأسماء) أو بعض الطروحات البائسة التي ستكون كعود الثقاب الذي لن يضيء سوى للحظات ثم سيختفي هو و الضوء الذي كان ينبثق منه دون أن يترك متسعا يستوعب ما (سيأتي) من ظلمة ستثقل سماء العقول، و التي ستكون بحاجة دائمة لمشاعل تنويرية دائمة و مستمرة …

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة