إشكالية الحقيقة.. إزدواجية المعايير

مهند صلاح

تمخضت العقلية الجمعية التي أفرزتها البيئة المحيطة للكاتب العراقي عن ظهور تجارب هزيلة لا تنتمي لحقيقة الكتابة التي نشأ من أجلها الفعل الثقافي، و قد أثر هذا بالتالي على حركات النمو و التطور لدى العديد من المجتمعات التي من المفترض انها تمثل الواقع الذي أنتجته هذه التجارب كواقع إستطاع ان يؤثر على بوصلة العديد من العقول التي كان من المفترض لها ان تكون معدة بشكل جيد لنقل الحقيقة و التماس مع المستقبل.
و ربما للحظة عندما نراجع التاريخ (الجيوسياسي) لهذا الكاتب أو ذاك و التأثيرات المحيطة سنجد بأننا قمنا بإنشاء دوائر لا متناهية من العقد الازدواجية المليئة بالمجاملات و التسلق و الربحية على حساب الفعل المنتج . الذي تحول من مسار الصناعة الابداعية لتحقيق الحياة، الى الامتهان الربحي و الرغبات الآنية في انتاج نسق عائم من الملذات الشخصية و الهالات الوهمية.. مما ساعد ذلك على تخمة الفضاء الكتابي بمساحات هلامية من الكتاب و المدعين للفعل الثقافي و المجاميع و المؤسسات التي لا تحمل من الثقافة سوى إسمها.
و أصبحت النخبة تمارس أدوار العزلة و الابتعاد بدل الاقتراب من تفجير هذه العقد و حلحلتها و البحث عن أجوبة للأسئلة التي أثقلت كاهل المتلقي الذي أصبح ينظر لكتاب النخبة على إنهم مجرد كومة من المجانين و الأدعياء الضعفاء، فهم لا يمتلكون زمام المبادرة لجره نحو مناطق الحقيقة التي يدعون بأنهم آخر من بقي محافظا عليها كنتاج مغاير للمرحلة، و جعله هذا كحصيلة متوقعة يتحول بدعمه و مؤازرته لكتاب الزيف (كتاب الفقاعة) مع قناعته التامة بأنهم لا يمثلون ما يبحث عنه , لكنهم على أقل تقدير يرضون رغباته المؤقته في مواصلة خدعة التلقي لديه كما يفهمها هو.. أن الحقيقة المرة التي لا يستسيغها الكثيرون . ان الثقافة العراقية أصبحت تعاني (الإحتضار) و إن كل ما يتم تحقيقه على ارض الواقع ما هو الا مخدر مؤقت يدخل الساحة الثقافية بمراحل من البهرجة غير المتقنة للمساحات الشاسعة من التجرد التي خلفتها (الإزدواجية) داخل التركيبة الفكرية لشرطي الابداع (الكاتب / المتلقي)، و إن كل ما يحصل من عمليات إصلاح يدعيها بعض نجوم الكتابة داخل جسد الثقافة. ما هي الا عمليات ترتيق يمارسونها بين الحين و الآخر لإيهام الجمهور بأنهم مستمرون في تحقيق العدالة داخل صراع (الزيف/ الحقيقة).
الا أنهم مقتنعون تماما بأن مراحل التساقط التي مارست التعرية بهذا الجسد لن تنتهي قريبا , بل إنها في تزايد مستمر. و هم بهذا يمثلون أدوارا تبتعد تماما عما يجب أن يتخذوه في لحظة حقيقية واحدة لتدارك الأزمة..
عبر إستثمار العقلية المرنة للمتلقي و إستعادة كل الخطوات التي من الممكن لها ان تعيد حلقات الثقة بما يكتب، عبر إمتلاك زمام المبادرة في النزول من الأبراج العاجية التي يعتليها الكثير ممن يدعون تصديهم للواقع الثقافي الهش و محاولة فهم ما يفرزه المجتمع و تقريب المسافة التي أصبحت واسعة حد التيه .. المرحلة اليوم بحاجة لتكوين خلايا أزمات ثقافية و فكرية لوضع حلول من الممكن تحقيقها لسد هذه الفجوات.
و ليس بالأمر الصعب على (المثقف الحقيقي) أن يخرج من هذا الكم الهائل من النرجسية و الرغبات الذاتية و الأحلام المتفاقمة، لمناطق الإشتغال الفعلي و ممارسة دوره التاريخي المناط به . بدل اللهاث المستمر خلف تيارات الضحك على العقول، و التي يعلنها دون ادراك لما ستنتجه من مخلفات ستؤثر في سماء قضاياه التي يدعي بأنه مارس الفعل الكتابي من أجلها.
على من تبقى من الكتاب أن يدركو بأنهم مسؤولون أمام كراديس من الأجنة التي يحملها التاريخ ستقرأ كل أوراقهم التي يحاولون جاهدين إخفائها…

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة