جاستا أول الغيث

يعد الموقف الأخير الذي اقره الكونغرس الاميركي بنقض فيتو البيت الأبيض على مشروع قانون “جاستا” (العدالة ضد رعاة الارهاب) تطوراً نوعياً في سياسة الولايات المتحدة الاميركية التي عانت من ازدواجية المعايير في مواقفها وسياستها الخارجية على وجه الخصوص. ان اقرار مثل هذه القوانين التي تنتصر لروح العدالة بعيداً عن منهج المصالح الضيقة لتجار الحروب والفئات الشرهة والمتنفذة في مجال العلاقات الدولية، تعني اننا أمام عصر جديد، تتوارى أمامه الذرائع والشماعات التي تحتمي خلفها قوى الجريمة والارهاب، مثل سيادة الدول واستقلالها وغير ذلك من الواجهات التي رسخت هيمنة انظمة القرون الوسطى وشرائعها محلياً واقليمياً ودولياً.
كان بمقدور المجتمع الدولي ان يلعب دوراً فاعلا في حفظ امن واستقرار العالم والمنطقة، لو تابع بحزم قرار محكمة الجنايات الدولية باعتقال الرئيس السوداني (عمر البشير) قبل اندلاع موجة الحروب الاهلية التي التهمت حرائقها آخر ما تبقى من استقرار هش في المنطقة وخاصة في العراق واليمن والشام. لكن التجاذبات الدولية المبنية على المصالح الضيقة والعابرة للانظمة النافذة، عرقل مثل تلك القرارات المسؤولة والشجاعة ليبقى امثال البشير وسجله الظلامي والاجرامي بعيداً عن سلطة العدالة الدولية. مع قانون “جاستا” لم يختلف الامر كثيراً، فها هي القوى والانظمة والمؤسسات المتضررة منه، ترفع صوتها للنيل منه، عبر اعادة تدوير الذرائع والقصص والشعارات نفسها التي اوصلتنا الى هذا الحضيض في العلاقة بين المجتمعات والدول. دول الخليج وعلى رأسها السعودية (المتضرر المباشر من قانون جاستا) اعربت عن سخطها واستيائها الشديد، وهي في ذلك معذورة لما يشكله ذلك القانون من خطر مميت على انظمتهم التي اهدت العالم ابتكارها الفذ على ولايات العراق والشام (داعش) وفي فسطاط الكفر (الذئاب المنفردة). ان حمل 15 من اصل 19 ارهابياً من منفذي غزوة منهاتن للجنسية السعودية، لم يكن أمراً عابراً أو بمحض المصادفة؛ بل هو دليل واضح على منازل وحواضن الارهاب، والذي شرع قانون جاستا من أجل اقتفاء اثرهم وبالتالي الانتصار للضحايا عبر تعويضهم مادياً ومعنوياً وذلك اضعف الايمان.
ليس هناك ادنى شك من مواجهة مثل تلك القوانين لمحاولات الاجهاض، داخل الولايات المتحدة وخارجها، وقد شاهدنا بواكير ذلك من الدول والقوى المتضررة منها ومن القوى والدول التي تحاول الاستثمار في المفترق الذي تمر به علاقات اميركا مع حلفائها في المنطقة الاشد سخونة في عالم اليوم. لكن الامر الذي لا شك فيه؛ ان العلاقات الدولية الحالية قد وصلت الى مرحلة هي بأمس الحاجة لمواقف وتشريعات تنسجم مع التطورات الهائلة التي شهدها عصرنا. وبغض النظر عن التداعيات السريعة لهذا القانون على العلاقات بين هذه الدول، هناك رسالة غاية في الوضوح الى السعودية وغيرها من انظمة القرن السابع الهجري، عليهم قراءتها بجرأة ومسؤولية، كي يقللوا قليلا من الآثار الوخيمة المترتبة على رعايتهم لآيديولوجيات “التكفير والهجرة” وتقسيم العالم الى فسطاطين وغير ذلك من مفاهيم الدمار الشامل التي انتجت كل هذه الهلوسات والجنون الذي اكتسح أمن واستقرار المجتمعات والدول في الاعوام الاخيرة، ان قانون جاستا هو اول الغيث لطوفان مقبل بلا ريب..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة