الأخبار العاجلة

زعاطيط الثقافة والسياسة والإعلام

بالنسبة لجميع العراقيين بكل مستوياتهم العمرية والمعرفية لا تحتاج هذه المفردة (زعطوط) لشرح او تعليق، فهي واضحة وصريحة بكل ما تحمله من شحنات. لكنها اليوم وبفعل التطور التراجيدي والغرائبي للاحداث في هذا الوطن المنكوب، قد اكتسبت اهمية واسعة، وذلك لتصدر المنضوين تحت رايتها لأهم المفاصل الحيوية للدولة والمجتمع العراقي. وكي لا نجافي الموضوعية والانصاف في تناول هذه المسيرة الظافرة للزعاطيط في الهيمنة على مقاليد الامور؛ لابد من العودة قليلاً الى الشروط التي مهدت لذلك الغزو قبل حقبة الفتح الديمقراطي المبين ربيع العام 2003، عندما شرعت سلطة (المنحرفون) الابواب أمام حثالة المجتمعات ليبسطوا سلطتهم الغاشمة على مصائر سكان هذا الوطن القديم. لذلك جاءت لحظة “التغيير” بوصفها الفرصة الذهبية لتسلل قوافل الزعاطيط الى ما تبقى من أسلاب جمهورية الخوف.
لم يكن أمر تصدي ممثلي هذه الشريحة الصاعدة (الزعاطيط) لغير القليل من الوزارات والدرجات الخاصة بعد “التغيير” أمراً عابراً او طارئاً، بل كان علامة واضحة من علامات الحضيض المستقبلي الذي وصلنا اليه اليوم بهمة وحماسة وحيوية هذه الشريحة. وكما اشرنا الى المناخات والشروط الممهدة لتلك الغزوة، لابد من تسليط الضوء على ذلك الفراغ الهائل الذي خلفه انعدام التقاليد والمؤسسات والتشريعات التي تصون المجتمع والدولة من مثل تلك الغزوات والانتهاكات السافرة لحقوقه في العيش كبقية الامم التي اكرمتها الاقدار بالرشد والحكمة والمعايير المجربة. قوافل الزعاطيط هذه لم تستثن أحد اكثر الحقول تأثيراً في حياة الشعوب والامم، الا وهو حقل الثقافة والاعلام، والذي تناهبته طلائع هذه الشريحة الصاعدة، خاصة بعد كرنفال الهرب الجمعي لسدنة ذلك الحقل زمن النظام المباد. وكما هو الامر مع انقاض السلطات الاخرى، تسلل زعاطيط الانتلجينسيا الى حطام المؤسسات الاعلامية والثقافية. لقد حلت ببركتهم منظومة قيم الاخوانيات وتقنيات (حك لي احك لك) محل المعايير والتقاليد الصارمة في مجال التخصص ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب. لذلك اصبحت المنابر الصحفية والمنصات الاعلامية والاذاعات والفضاءات مرتعاً لممثلي هذه الطائفة الجديدة، حيث نجدهم ينبرون لكل المجالات والاهتمامات، ويستعان بهم بوصفهم محللين استراتيجيين للمشهد الذي لا تكتمل غرائبيته من دون اسهالاتهم النظرية والفكرية. فيكفي الواحد منهم اصداره لمجموعتين “شعريتين” أو قصتين و “رواية” وحفنة من الكتابات الادبية والبوستات على مواقع التواصل الاجتماعي؛ كي يتصدى لتحليل المشهد السياسي الذي عجزت عن فك طلاسمه أشهر معاهد الدراسات والبحوث العالمية. تكتمل التراجيديا الوطنية هذه بانضمام ممثلي الحطام السياسي والحزبي والقيمي لفزعة الزعاطيط، حيث تلتقي جهودهم جميعاً في اعادة تدوير بضائع التشرذم والضياع. مخلوقات هجرت قاموسها الشخصي مفردات الشجاعة والمسؤولية والتجربة الحقيقية في الكفاح وخدمة الشأن العام، وفواتير الوعي العميق لمحنة مجتمعاتهم وحقيقة المخاطر والتحديات المريرة المحيطة بهم. ليس بالديباجات والشعارات الجميلة مفصولة الجذور، تنهض الامم والشعوب، وهي بالتأكيد لن تحصد غير الخيبات والهزائم مع مثل هذا الطفح من قوافل المزعطة وسيول الحفلات التنكرية، المصرة على تقمص الادوار والعناوين المتنافرة وطباعهم الشرهة ونرجسيتهم المتورمة والمتخمة بالخواء والزيف. لكننا نأمل في نهاية المطاف ان تكون هذه الظاهرة من الاعراض المرضية العابرة لما يعرف بـ (الفوضى الخلاقة) ..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة