الأخبار العاجلة

السينما ما بين الثرثرة والصخب والصمت والغموض والمجاز: جولة سينمائية شيقة! ج2

مهند النابلسي
في فيلم هوجو للعبقري «ماتن سكورسيزي» الذي نال خمس جوائز اوسكار، يعود بنا لأيام السينما الصامتة بثلاثينات القرن الفائت، حيث نشاهد تداعيات عزلة وانزواء مخرج «ريادي» بعد فشله الذريع للتأقلم وتسويق مشاريعه السينمائية المبتكرة الصامتة، ثم نرى بفيلم رائع آخر «مرتفعا للغاية ومغلق باحكام»(2011) ملاحقة فتى لذكرى وفاة أبيه التراجيدية بأحداث 11 سبتمبر، واستحواذ الذكريات الأليمة على وعيه، ونتابع بشغف ملاحقته للأحداث التي تتضمن البحث عن صاحب مفتاح غامض، وجده بعلبة تركها والده الراحل، ونستمتع بمتابعة بوليسية لعجوز غامض صامت «يختار أن لا يتكلم» (السويدي ماكس فون سيدو بتمثيل آخاذ استثنائي) يتم التواصل معه بواسطة «رقاقات ورقية مكتوبة» (الفيلم من بطولة كل من توماس هورن وتوم هانكس وساندرا بولاك). أما بفيلم «شجرة الحياة» لترانس مالك (وبطولة كل من براد بيت، سين بين وجيسيكا شاستين) فالموسيقى والمناجاة والهمس هي العناصر الغالبة التي سادت أجواء هذا الفيلم الرومانسي السيريالي المدهش الذي يبحث بهواجس الحنين للماضي والعائلة:
ثم ننبهر عندما ننتقل لمشاهدة فيلم «لفنان» الفرنسي الصامت (2011)، الحائز على الاوسكار والذي يستعرض ببلاغة سينمائية لافتة قصة ممثل مبدع شهير من أيام السينما الصامتة وتداعيات فشله بالتأقلم مع متطلبات السينما الناطقة «الجديدة»، وقصة حبه الفاشلة لراقصة جميلة شابة تحاول مساعدته، هذا الفيلم المبهر المصور بالأسود والأبيض والذي يعود بنا لأيام السينما الصامتة هو من اخراج الفرنسي «ميشيل هازاتافيكوبس» وتمثيل كل من «جين جاردان و بيرنايس بيجو»…وفي تخاطر ابداعي نرى مشهدين معبرين، أحدهما بفيلم هوجو، عندما يجد الفتى العلبة القديمة للمخرج المتقاعد فوق خزانة قديمة بمنزله، ثم تسقط وتتناثرمحتوياتها ومنها صورا فوتوغرافية قديمة للأفلام الصامتة التي كان يخرجها، مما يقود لذروة درامية يسترجع البطل العجوز البائس خلالها ذكريات مجده الاسطوري القديم، كذلك نشاهد بالفيلم الشاعري الرائع «مرتفعا للغاية ومغلق باحكام» (من اخراج ستيفن دالدري) الفازة القديمة التي تركها والد الفتى (ذي التسع سنوات)، وقد انكسرت وتناثرت بقاياها، ومنها مفتاح غامض بظرف مكتوب عليه اسم»بلاك»، وكان الغرض من هذا المجاز المعبر هوالاطلاع عن كثب على اسماء وذكريات ضحايا احداث 11 سيتمبر المأساوية بنيويورك بالعام 2001، وذلك بهدف الخوض بالمغزى الانساني— العاطفي للحدث الكارثي المرعب، بلا ادانة ومداخلات سياسية\خطابية مملة ومباشرة ومكررة!
أما فيلم «نزهة في الغابة»(2015) من تمثيل كل من روبرت ريدفورد ونيك نولتي وايما تومسون، فيتحدث عن المتقاعد العجوز بيل برايسون الذي يعود لأمريكا بعد قضائه عقدين ببريطانيا، مقررا أن أفضل وسيلة للتواصل مع وطنه تكمن بالاقدام على مغامرة التجوال بمرتفعات «آيالاشين» الجبلية الشهيرة، حيث ينسق مع احد اصدقائه القدامى (الداهية الظريف نيك نولتي)، الذي يرى بالرحلة وسيلة للتهرب من ديونه المتراكمة ولممارسة مغامرة حقيقية جديدة مع صديقه القديم كاتب الأسفار الشهير «روبرت ريدفورد»، هذا الأخير الذي يفضل المغامرة والانطلاق بدلا من نمط التقاعد المريح مع الزوجة والأحفاد وحضور المناسبات والجنازات، ويقوم بالفعل مع رفيقه بتحدي الذات والكسل المريح، واجتياز المرتفعات الشاهقة والوعرة الممتدة ل2200 ميل في أعماق الريف الأمريكي الساحر، وتكمن المفارقة والكوميديا بفهمها المختلف لمغزى «المغامرة الفريدة» مرة أخيرة بالحياة قبل فوات الاوان، ولكن هذا الاندفاع الخطر المجازف يحقق لهما بالنهاية المتعة الحقيقية بالحياة وتحقيق الذات…ثلاثة أشياء لفتت انتباهي بهذا الفيلم الظريف الذي يشجع على المغامرة الرياضية البريئة والتجول والترحال بالآماكن الطبيعية الساحرة: اصرار ريدفورد على خوض المغامرة الشاقة التي لا تناسب العجائز، ومقاومة رغبة صديقه بالاستعراض والعودة الآمنة المريحة بسيارة «فورويل درايف»، ثم اهتمامه بحمل «مجراف صغير خاص» لدفن البراز» اثناء تجواله مع صديقه بالغابات الطبيعية الجميلة (ومقارنة ذلك مع عبثنا اللامبالي بغاباتنا النادرة واماكن التنزه وتركنا للنفايات المؤذية للبيئة)، ثم اقتناع رفيقه المدمن على الكحول، واقدامه على سكب قنينة خمر معتقة، مقاوما رغبته بالشرب!
أما بفيلم «المتدرب» (2015) لروبرت دي نيرو ومن اخراج «نانسي مايرز»، فنحن نشاهد هنا متدربا متقاعدا تجاوز السبعين من عمره، وهو يحاول العودة للحياة والعمل بعد فقدانه لزوجته واستقلال ابنه، فهو يقدم نفسه كمرشح للعمل بمؤسسة صغيرة ناجحة (شركة تصميم ملابس عصرية) وتحت ادارة مديرة عصبية شابة، وحيث يكسب ود الجميع واحترامهم بلطفه ومثابرته ونزاهته وحبه لانجاز كافة الأعمال بصبر ومثابرة واصرار، وكأنه يستعيد كيانه ووجوده خارجا من عمره وعزلته ووحدته القاهرة بعد ان أصبح ارملا مهمشا، تكمن طرافة هذا الفيلم الاجتماعي الظريف بطريقة استعراضه لامكانيات العجوز المتقاعد، الذي يأسر كل العاملين وبمقدمتهم المديرة المتسلطة بدماثته وكرازميته واناقته الكلاسيكية، وعلى عكس ما توقعنا فهو لا يقع بهوى المديرة الشابة الجميلة، وانما يبقى لها كناصح حكيم جاهز لتقديم كافة الخدمات العملية والشخصية بواقعية وبلا تذمر، محاولا بدوره أن يجد مغزى لحياته بالعطاء ومساعدة الاخرين، كما أن هذا الشريط يسلط الأضواء على طبيعة العمل اليومي الكثير والمتداخل بالمؤسسات الصغيرة، لاغيا مفهوم «الوصف الوظيقي» الدارج والمقيد والبيروقراطي ومؤكدا أن «الخبرة لا تتقادم»، وقد ابدع «دي نيرو» كعادته بتقمص الدور الشيق اللائق بشخصيته، ولاحظنا انغماسه بكيمياء خاصة مع نجمة الفيلم الجذابة «آن هاثاوي».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة