الأخبار العاجلة

رجل دولة اصلاحي اسمه ناظم الزهاوي

كيف يمكن لرجل صاحب مبادئ راسخة في الحياة وسجل مهني نظيف ومعارف عميقة في التخطيط والاقتصاد وخبرة عمل غنية في بناء الدولة أن يوظف كل هذه العناصر في خدمة مراحل وانظمة سياسية واجتماعية مختلفة، ومتناقضة، ويقدم خبرته خلالها بانسجام عميق مع النفس وبحماسة واخلاص متناهيين، تاركاً على مسيرتها بصمات لافتة. كل ذلك على الرغم من المسافة الشاسعة بين نزعته الفكرية اليسارية الحرة وطبيعة هذه الانظمة التي اتسمت بالمحافظة في ادق توصيف يجمعها؟.
انه ناظم عبدالجليل الزهاوي، الموظف المرموق لدى حكومة نوري السعيد، ثم الوزير في حكومة عبدالكريم قاسم، واخيراً الخبير الاقتصادي الذي وضع اسس الهيكلية المالية للمملكة العربية السعودية، وخرج من جميع هذه التجارب بشهادات نزاهة ومثابرة وائتمان لربما لم ينل مثلها رجل دولة مرّ في مثل هذه التجـارب التـي عاشهـا الزهـاوي.
ان الزهاوي كان يطبق في ذلك منهجاً اصلاحياً آمن به ودافع عنه وكتب فيه انطلاقاً من قناعة مركبة تقوم على ركنين، الاول، انه مؤمن بأن الخدمة التي يقدمها من النوع الذي يخدم الشعب في المقام الاول إذ كان متشبعاً بالفكر الشعبوي الذي تبناه وروّج له زميله وشريكه في رحلة الفكر والسياسةعبدالفتاح ابراهيم وجعله جزءاً من برنامج جماعة الاهالي في مطلع انطلاقها العام 1932 بديلا عن الانكفاء الى الصالونات والتحجر عند افكار النخبة، والثاني، انه يسعى الى تعديل ما يمكن من مسارات بناء الدولة عبر المشاركة الناشطة والواعية ما يدخل في صلب عقيدته الاصلاحية التي عبر عنها في وقت مبكر في سياق مقالته الشهيرة «الشعب وكيف يقاس اصلاحه وفساده» المنشورة في مجلة العصر الحديث- العدد الثالث لعام 1937 ويناقش فيها موجبات الاصلاح عن طريق الانخراط في العمل والبناء ويرد على اصحاب الاصلاح بالنظريات بالقول ان آراءهم «لا تصلح لان تكون اساساً يشاد عليه المجتمع المنشود لانها تؤدي في اغلب الاحوال إلى مجتمع قد لا يصلح الا لصاحب ذلك الرأي او لتلك الزمرة التي تتقاسمه المصلحة وتشاركه في الرأي، اما بقية افراد المجتمع فلا يكون نصيبهم منه غير نصيب الحمل من شريكه الذئب. وعليه فالرأي السائد اليوم هو ان يكون المجتمع قائماً اولا على خدمة اكبر عدد ممكن من افراده واعضائه من دون ان يفسح المجال لاضرار مصالح احدهم بمصالح اخيه، وثانيا ان يتجه هذا المجتمع نحو التقدم والتطور فيكيف نفسه تبعاً لمقتضيات الحياة وضروراتها».
واحسب ان محور الاصلاح الذي انتظمت الحياة الفكرية والعملية لناظم الزهاوي في فضائه قد تكامل، ملامحاً، مع ميله الواضح والمنهجي للاعتدال السياسي والاجتماعي، بل ان المحلل الموضوعي لسيرة حياة الزهاوي سيعرف بأن نزعة الاعتدال في سلوكه وتفكيره شكلت مدخلا رحبـاً الـى بناء العقـل الاصلاحي لديـه، ثـم اتحد الميلان في منظومـة سلوكية وفكرية وسياسية ووظيفية كانت تعبر عن نفسها في تلك المصالحة الواعية، والانتقادية، مع الحياة، ومع المهمات التي نهض بها في مواقع متباعدة وفي حقب مختلفة.
وعلى هامش الموضوعات التي تثيرها سيرة حياة الرجل القصيرة لا بد ان نرصد فاصلة غاية في الاهمية تتصل بدلالة ان ينهض مسؤول في الدولة العراقية المعاصرة، وقد مضى على ولادتها ربع قرن من الزمان فقط، بسجل ناصع من النزاهة والمهنية وعفة اليد ونصاعة السيرة الوظيفية، يشاركه في ذلك كوكبة من الموظفين المرموقين في مواقع كثيرة، في ذلك العهد والعهود التي لحقته، الامر الذي يطرح علينا فروض الاسى لاحوال الادارة وانتشار الرشوة والمحسوبية والتعدي على المال العام في نظام الثلاثين عاما تحت حكم الحزب الواحد، ثم سقوط الادارة الحكومية في براثن غول الفساد وخيانة الوظيفة في العهد الذي خلف نظام البعث، مما لا سابق له في تاريخ العراق.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة