في رواية خان الشّابندر (ج2)

العالم السفلي الواقعي المُغَرَّب

إسماعيل إبراهيم عبد

ثانيا: فواخت وطيور السماء
يلتفت الكاتب إلى رمزية الفواخت والطيور من اطراف عديدة منها:
أ ـ انّها الغناء الأزلي للجمال الفطري: [جلست في الشرفة متأملا زوج فواخت في قلب نخلة عالية… كانت الفواخت تعبث في قلب النخلة غير عابئة بما يجري. (الرواية ص 86)
ب ـ أنها بهجة الخالق بجمال خلقه: «كانت العصافير التي تبطن شجرة السدر القريبة تثير عاصفة من الزقزقة المتواصلة……………….. تضرب بأجنحتها الصغيرة، وتطلق زقزقتها بقوّة. الرواية ص118»
ج ـ أنّها الرقيب الابدي على الخراب بالنواح: [لا شيء مثل خرائب الحيدر خانة… انتظر بفارغ الصبر… لأدخل ظلالها السود، وأهيم وسط أضلاعها الممزقة بفعل القنابل والزمان… كل آجرة تذكرني بروحك الطافية بغموض مع الفواخت الرمادية. الرواية ص121] د ـ إنّها القدرية الأبدية التي ينقصها السلام: «وحلق طائر ما في سماء الحوش الموحش، ضارباً الهواء المتخثر بأجنحته الجبارة من دون أن أراه. الرواية ص169»
– المقاطع الأربعة السالفة قد تعطي افكاراً نقيضة لما توخينا تأكيده عبر آليات التأويل..
ـ قد يكون الرمز في الفقرة (أ) له دلالة الحزن المكتوم بقلب الراوي البطل الذي يزجيه بالتلهي بمنظر الفواخت كونها لا تعي ولا تداري ولن تتحدث عن انكساراته.
ـ في الفقرة (ب) يمكن اللجوء إلى تفسير نقيض هو أن زقزقة العصافير ليس فيها جمال لا مقصود ولا مؤول انما هي صرخات خوف واستغاثة يريد منها الكاتب ان تكون دليلاً على فزع الكوني السماوي الذي يتعاضد مع فزع البلد بتهديد أمنه ومستقبله، التهديد بالامحاء والهجرة والنزوح.
ـ الفقرة (ج) قد تلوّح بنقيض ما رأيناه عبر الآتي (قد لا تكون الفواخت رقيباً انما هي جزء مكمل للخراب، جزء يؤشر لا منطق الاعتداء دونما رغبة في تأويل ذلك).
ـ اما الفقرة (د) فقد يكون الموازي لمعناها أنها تؤول إلى (أن البشر لا القضاء الرباني من يقتل ويتحكم بالمصائر برغبة السيطرة على انفاس الناس ودماءهم واعراضهم).
– الملاحظ أن التأويلين (الاساسي والنقيض) مجتمعان على حقيقة الجُرم الكبير الذي يقع على كائنات البيئة الطبيعية والبشرية العراقية كلاهما بذات الحيف والهدف.
ثالثا: مرجعيات هند الحضارية
لننظر في (قاموس معاني الاسماء) الالكتروني لنتعرف على القيمة المعنوية لإسم هند البطلة في رواية خان الشّابندر للروائي محمد حيّاوي:
«هند: اسم علم مؤنث عربي، كان لقباً لكريمات العرب على اسم دولة الهند البعيدة والحافلة بالعجائب، وهي السيِّدة الثمينة التي تعادل مئة من الإبل. وقد يُنَسِّبون إليها فيسمون: هندي، هندية. كما يسمون: هندة، وهُنَيدة. وهند: اسم عريق مثل هند بنت الخُسّ من أهل الدهناء، ولها أخبار كثيرة.»(1) .. بالمقابل فمن الشائع أن هناك ما يتقارب مع الاسم في اللفظ مثل المهند: ويعني السيف. والنهد: وهو ثدي المرأة الشابة.. والهندس: وهو الليل حالك السواد..
عند استحضار إرادة القراءة سيئة النوايا فستكون هند هي (متعة الجنس في الليل البهيم)..
اوهي فتنة الجمال والمنح والانوثة الحنونة والنجابة والكرم والنسب الشريف والانتماء الاصيل.. بنظري أن الكاتب اختار الاسم ليؤنث فعلين من جمال الروي هما حكايا شهرزاد، والانتماء الاصيل إلى بغداد.. وسبب ذلك يعود لعاملين هما، رغبة الكاتب في اسطرة الوقائع اليومية والثانية باختياره قد يتمكن من الانتقال من العالم السفلي إلى العالم العلوي بيسر فني لما في كلمة هند من تعدد المعاني الرفيعة عالية التهذيب. لقد استثمرت هند الانوثة (برأينا) على وفق مقاسات فنية ثيمية منها:
أ ـ المزج بين التحضر المعقلن والتحضر الفطري الشبيه بالجنون
يشير الدكتور جبار صبري في كتابه المجال الصفري ما نصه:
«ان الحضارات تؤرخ لنفسها اتصالاً معقلناً وكذلك تؤرخ لنفسها اتصالاً مجنوناً»(2)
في المقطع الآتي شيء من المهمات الحضارية الحاوية على نوعي التواصل المشار إليهما. نعتقد بأن الرواية انتاج حضاري يمكنه ان يحقق الثنائية اعلاه مثلما سنرى:
[قالت هند ذات ليلة ضاجة بالقبل وانفجارات القنابل…
ـ … سننقذ روحك من الغرق والتحطم.
ـ أي غرق؟
ـ الغرق في الحياة الفاسدة حيث يلتهم عقلك روحك… سنحدّثك القصص والحكايا.
ـ أي قصص؟
ـ … نأخذك الى آخر الخيال.. قبل أن نعيدك… الى الارض!] (3)
لنقرر الآتي:
سمات المقطع اعلاه:
ـ أن المقطع يقارب مشهدا شبه متكامل من حيث المحمولات والعناصر السردية.
ـ أنه مفتتح مطول تقوله البطلة قبل اي من الرواة الابطال، وقبل المؤلف ذاته، وهو روي مستظرف ونادر. ـ يحيل كل جزء منه إلى العقلنة والجنون.
ـ أنه مشهد يخضع لرؤية مسبقة تخص التنقل بين الواقع والخيال.
ـ أن المشهد مشهد تواصلي بالفهم الجديد للأنترنت.
ـ أن البطلة تتناص مع شهرزاد دونما حاجة الى شهريار.
مظاهر الاستدلال على العقلنة تتمثل في:
ـ قول الراوية هند هو ملموس عقلاني يحدث بين متحاورين، يتسم بالصفة التداولية المحملة برسالة فنية. ـ القبل والانفجارات أشياء مادية شبه واقعية يمكن ادراكها عقليا.
ـ الغرق والتحطم جزءان مدركان عقلياً على الرغم من أنهما ليسا ملموسين.
ـ الحياة الفاسدة شيء مدرك كونه واقعاً حياتياً للبشر جميعاً، إذ الفساد واقع للتسلط المقلوب، تحكم الأقلية بالأكثرية.
ـ العقل والروح كل منهما غير مادي ولكنهما مدركان حضاريان إكتسبا عقلانيتهما من تاريخ الفلسفة الطويل الذي ما يزال لم يحسم أمر الانتصاف للعقل أم للروح.
مظاهر الاستدلال على اللاعقلنة في التواصل الحضاري شبه المجنون تتسوغ عبر:
ـ الـ «ليلة الضاجة» تعدُّ هذه مبالغة لرد فعل مجنون لكنه مقبول كونه جزءا من فن متحضر.
ـ «نأخذك لآخر الخيال» عبارة لا معنى حقيقي لها لكنها تشبه هلوسة مجانين وهي جزء من التواصل الحضاري المتفنن بمبالغات الهوس الجنوني لتواصل العشاق عبر الاتصالات الحديثة.
ب ـ حضور العالم المعاش
لعل مبدأ استحضار العالم المعاش شرط غير مرجعي انما هو ضرورة فنية يقتضيها التوجه الفكري الجديد، لأن العالم المعاش هو عالم البدء وعالم الانطلاق نحو الخيال والتصور والعلائق المنظمة للعناصر.. في الرواية ـ قيد المتابعة ـ حضور متأقلم منقول بطبيعة حياة مخلوقة تحييها وتحيى لها امرأة من ذاكرة البيئة والتأريخ، اسمها هند.. تُرى كيف تكون انوثة هند بمرجعياتها الحضارية حضوراً لعالم معاش بطريقة جديدة؟ «بدأ الروائيون بعزل كل ما هو خارج نطاق الخبرة… هذا العزل عمل على خلق وجهات نظر وتبئيرات إمتازت بالوعي… تعبر عن حضور العالم المعاش»(4)
ان حضور هند هو حضور استعادة للانوثة والفتنة على وفق (عالم معاش) بتطريبية نغمية فكرية.. لنتابع: [عندما شعرت بقبضتي هند تطبقان على كتفي من الخلف، وتجراني بقوة.. حاولت الالتفات لرؤية وجهها، لكن بصري خبا من فرط الوهج. كانت بيضاء بأجنحة جبارة، راحت تخبط بهما الهواء المشتعل من حولنا حتَّى شعرت بأننا نحلق في الفضاء.. وشيئا فشيئا، بدأنا نرتفع فوق الخرائب، ولاح مبنى الخان القديم تحتنا مخضراً في ضوء المساء، كانت اسراب الرصاص تلاحقنا في مسارات ضوئية.. تدخل في صدري وتخرج من ظهر هند..](5)
يأخذ النموذج اعلاه هند بكونها:
ـ مادّة ادراكية مشعور بها مركبة من وعي ولاشعور.
ـ موضوعة مأخوذة بانبهار حالة الوجد التنغيمي.
ـ يتم التطريب عبر الوجد التنغيمي المؤسطر للحدث بقيمة تحقق المستحيل..
ـ تعاد حالة الوجد والتنغيم الى مرجعيات الفلسفة الصوفية لمعتزلة بغداد للعصور الوسطى.
ـ جزئيات العالم المخلوق تعيش في بيئة من فرائض «هند، علي، البصر الخابي، الاجنحة الجبارة، الهواء المشتعل، الفضاء، الخرائب، الخان المخضر مساء، الرصاص، النور، صدر علي وظهر هند».

ج ـ منطق خطاب الأنثى
الخطاب الانثوي هو خطاب لا غير له متصلاته التواصلية المبرمجة لغاياته، وفي رواية خان الشّابندر يرتبط الخطاب مثل اي خطاب بمنطق مقصود بذاته..
ترى أي منطق يربط عناصر خطاب الرواية عبر هند الانثى؟
لنمهد بالآتي: «لتحليل أحداث التواصل… في الخطاب لا يكفي معرفة الترابط المنطقي بين أجزاء الخطاب فحسب، إنما ينبغي وضع… العلاقة المنطقية بين أجزائه في إطار المعلومات والمعارف الاجتماعية المتوفرة عن موضوعه» (6)
إذاً سيتم تأشير المنطق السردي على مقام الاجزاء من المعارف الاجتماعية.. طبعا بعد معرفة منطق ترابط الاجزاء.
ـ منطق ترابط الاجزاء: يخص الجملة الصحيحة وعلاقاتها بالدلالة الموجهة لفكرتي الرواية (فتنة الانوثة، وفتنة المدينة)..
[كانت هند تقبّلني بين الفينة والاخرى وتتشبث بذراعي. وتناهت إلى سمعي أغنية بغدادية قديمة.. تنساب من مكان ما وسط الخرائب المنتشرة حولنا، وخُيّل إلي أننا لسنا في بغداد، بل في يوتوبيا غريبة مُعلّقة بين الارض والسماء] (7)
المنطق المتحكم بالجملة المؤلفة للخطاب هو منطق التعويم، تعويم الموجودات وتطعيم حركتها بحريَّة الكلمة بهدف فسح المجال أمام المنطق الكلي الذي يحتفي بالمعلومة الاجتماعية.
ـ منطق ترابط المعلومات الاجتماعية: يخص وضع المعلومات الاجتماعية باختبار الملاءمة مع جمل الخطاب ثم ترتيبها بحسب الأهمية السردية، وهي بمثابة لون جديد من تنويعات القيمة لهند الانثى.. لنتابع مشهدا.. تصرفت به قليلاً للإختزال:
[ـ هل ترغب بسماع الحكاية أم لا؟

1. معنى إسم هند، قاموس معاني الأسماء الالكتروني ـ يوم الزيارة 1/9/2016
2. د. جبار صبري، المجال الصفري، منشورات ضفاف ـ بيروت 2015 ـ ص140
3. محمد حيّاوي، رواية خان الشّابندر ـ مصدر سابق ـ ص7 ـ ص8
4. د. حسين اليوسفي، النزعة الفلسفية في الادب الوجودي، دار الروافد الثقافية ـ ناشرون ـ بيروت 2016 ـ ص42
5. محمد حيّاوي ، رواية خان الشّابندر، مصدر سابق ـ ص118
6. شتيفان هابشايد، النص والخطاب، ترجمه عن الالمانية: ا.د. موقف محمد جواد المصلح ـ دار المأمون ـ بغداد
7. محمد حيّاوي، رواية خان الشّابندر، مصدر سابق ـ ص132

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة