ذاكرة الأرض مدينة الثورة (2)

المكان رحم يتشكل فيه جنين المدنية بشوارعها وبيوتها، بمنعطفاتها وزواياها واسرارها، كما يتشكل منه ملامح وأشكال الناس وعلاقاتهم ، وكذلك أفراحهم وأحزانهم ومشاكلهم المعقدة والتافهة. ولكل مكان زمانه الخاص فمكان مدينة نيويورك له زمان متفرد وهو يتقدم للامام بسرعة جنونية حتى أنه يدهس بعض الأشخاص السكارى من القهر أو من الخمر، هو زمان من شدة سرعته لا يلتفت الى ضحاياه فهو مشغول العقل ومزدحم بالمشاريع، بينما الزمان في مدينة كابل هو زمان راكد مثل المستنقعات والناس نيام بعيون مفتوحة طامسين بوحل الوقت الآسن لا يروحون ولا يجيئون، انه زمان كسول تنبل غير معني بمن يموت ومن يولد، أو هو زمان متطرف بالركض الى الوراء، الى أمجاد غابرة وماض لم يتبق منه سوى الأطلال والناس فيه يتذابحون لنيل سلطة الماضي والحكم على الحاضر بالرجوع للوراء لكي لا ينعتهم أحد بتقليد الثقافة الغربية.
يتمثل بناء المدينة روائيا بلمس الجوهر والدخول الى الروح بدون التعارض مع بنائها العمراني بل يعززه، كأن الرواية تنتشل المدينة من فخ النسيان والعطل فيراها أهلها وأبناؤها لأول مرة مسحورين بوجودها ويتفاجأون بها، فالرواية هي التي أعادت بناء المدينة من جديد بطابوق الكلمات. والمثير في مدينة(الثورة) أنها كانت تعيش العصر العالمي، يعني ان زمان مكانها مرتبط بزمان مدن الحضارة مثل باريس ولندن ونيويوك. هي مدينة تعيش بزمن حضاري من خلال توارد أفكار مبدعيها مع الكتاب العالمين الكبار، بحيث يقرؤون ذات الكتب ويلبسون آخر موديلات الأزياء في مدن أوروبا واميركا، وكذلك يمرحون بالموسيقى وقصات الشعر في آخر صرعة لها، ويشاهدون أحدث الافلام السينمائية وهم يعرفون نجوم الغناء والموسيقى والسينما مثلما يعرفون مطربي مدينتهم( عبادي وحسين سعيدة وسلمان المنكوب).
مدينة (الثورة) كانت تعيش مع ايقاع الثقافة العالمية وكان شبابها ينتمون الى روح العصر فلا يشعرون بالغربة مثلما يشعر المواطن السعودي ازاء الحضارة والانسانية، لأن أبناء (الثورة) ينتمون الى الثقافة العالمية بمعناها الأرحب والأعظم، لم يتقنفذوا على ثقافتهم المحلية ولم يتطرفوا بتقديس الماضي على حساب الحاضر والمستقبل.
الرواية ترسم المكان، وطبعا، الانسان ابن مكانه، انسان يتشكل جسده وشكله وروحه ونمط تفكيره وأخلاقه من المكان، المكان الذي يأكل ويشرب ويتنفس منه، وهكذا تم رسم مدينة الثورة في روايات أبنائها فكانت أساطير(سجين وملح) تتلاحم مع أساطير(الفيس بريسلي)، ونعيق طائر الطيطوي يتعانق مع طائر الفينيق وهو ينهض من رماد المكان ليبعث المدينة من جديد، ويختلط زعيق(الططوة) المشؤوم حسب اعتقادات أهلها مع صراخ وأنين المعتقلين في جحور وزنازين مديريات الأمن العامة والمخابرات والاستخبارات. ومع كل هذا الضيم والكرب كانت المدينة ترفل بقصص الحب وحكايا الامهات وقسوة الآباء والمعلمين، وكأن الثورة مثل شهرزاد تروي حكاياتها حتى لا تذبحها سلطة البعث.
كانت كل الحياة تنبض في المدينة مقابل كل ذئاب الموت التي تتربص وتجوس بيوتها المتلاصقة مع بعضها البعض من شدة الرعب والذعر. ولدت(الثورة) بثياب مدينة سومرية جديدة، تحاول نحت اسطورتها لتبقى حاضرة في ذاكرة الارض، ولا يتم هذا النحت إلا من خلال الرواية.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة