التكامل الدفاعي الأوروبي الآن

خافيير سولانا
الممثل السامي السابق للاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن.
خلال قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة في براتيسلافا، وهي الأولى التي تُعقَد من دون حضور بريطاني، طُرِح عدد كبير من الاقتراحات لتحسين الأمن الأوروبي. وبرغم أن بعض المراقبين ربما يرون خلاف ذلك، فإن المناقشات الدائرة حول تحسين الأمن الأوروبي حكيمة وضرورية: فبعد فترة من الشلل والتشكك الذاتي في المشروع الأوروبي، بات لزاماً على الاتحاد الأوروبي أن يتصدى لمشكلاته الأمنية وأن يقترح مبادرات موَحِّدة.
ينظر المواطنون الأوربيون على نحو متزايد إلى الأمن بوصفه قضية ذات أولوية عالية ويريدون أن يُظهِر الاتحاد الأوروبي قدرا أكبر من الزعامة. ويتوقع أصدقاء وحلفاء الاتحاد الأوروبي أيضا تحسن الأمن الأوروبي.
يتطلب توفير الأمن لمواطني الاتحاد الأوروبي داخل حدود الاتحاد ضمان قدر أعظم من الاستقرار في الخارج. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة هذا بوضوح: فسوف تصبح إدارة أزمة اللاجئين التي تعذب الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، أسهل كثيراً إذا اختلف الوضع في سوريا.
ولأن الأمن في الداخل والخارج مترابطان إلى حد كبير، فلا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يقبل تجزئة سياساته ــ وهي الفكرة الناضجة إلى حد بعيد في «الاستراتيجية العالمية» الجديدة للاتحاد، والتي تقدمت بها مؤخراً الممثلة العليا فيديريكا موجيريني.
تقليديا، كانت الدول القومية تدافع عن نفسها ضد التهديدات الخارجية بالسبل العسكرية، في حين تدير شؤونها الداخلية وفقاً لمجموعة من القواعد والمعايير المصممة لحماية حقوق مواطنيها. وما يزال التأهب العسكري ضرورياً لاتقاء التهديدات الخارجية، ولكن هذا لم يعد كافياً. فهناك احتياج إلى زاوية «مدنية» كذلك.
من الأهمية بمكان أن تتكيف كل الأصول المطلوبة لتحقيق الأمن مع واقع التهديدات والصراعات المنتشرة اليوم. وهذا يعني أن قدرات الاتحاد الأوروبي العسكرية من غير الممكن أن تُبنى في عُزلة، بل ينبغي لها أن تعمل جنبًا إلى جنب مع قدراته المدنية (هيئات الشرطة، ووحدات الاستخبارات، والمحاكم، بل وحتى المنظمات غير الحكومية).
ولابد أن تكون القدرة على الاستجابة المدنية العسكرية المدمجة للأزمة جزءا لا يتجزأ من سياسة الاتحاد الأوروبي وسياسات دوله الأعضاء. وقد تعهد الاتحاد الأوروبي بالفعل بإدارة عمليات انتشار تجمع بين القدرات العسكرية والمدنية. ولكن كان من الواضح دائماً أن الأمر يتطلب قدراً أعظم من الجهد لتحسين كفاءة مثل هذه التدابير. والواقع أن معاهدة لشبونة لإصلاح الاتحاد الأوروبي تتضمن تدابير عديدة من هذا القبيل، ولكن أغلبها لم ينفذ حتى الآن.
يرجع أحد الأسباب وراء هذا إلى الإلهاء الناجم عن المشكلات الاقتصادية التي يواجهها الاتحاد الأوروبي منذ عام 2008. ولكن جسامة مشكلة اللاجئين تتطلب صياغة القضايا الإنسانية والأمنية في إطار آفاق مستقبل عموم أوروبا.
الواقع أن الانقسام بين القدرات المحلية والخارجية للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لم يعد قابلا للاستمرار ببساطة. ومن حسن الحظ أن العديد من القدرات المتاحة للدول الأعضاء في سياساتها الداخلية مفيدة أيضا في نشر دفاعاتها.
على سبيل المثال، بات من الواضح على نحو متزايد أن تعزيز التعاون الاستخباراتي أمر بالغ الأهمية. فإذا كان الاتحاد الأوروبي راغباً في توسيع نطاق سياساته الأمنية، فهو يحتاج إلى المزيد من الموارد، ولكن في المقام الأول من الأهمية، يتعين عليه أن يستعمل قدراته القائمة على نحو أفضل وبقدر أكبر من التعاون.
بيد أن مثل هذا التعاون يتطلب وجود مقر استراتيجي لإدارة عمليات الاتحاد الأوروبي الأمنية كافة، بدلا من الحفاظ على الانموذج الحالي الذي يجري إنشاء مراكز العمليات بموجبه على أساس كل غرض على حِدة. وعلاوة على ذلك، يحتاج الاتحاد الأوروبي لكي يتمكن من تحقيق الاستقلال الاستراتيجي إلى صناعة دفاعية أوروبية قادرة على المنافسة، مع زيادة الاستثمار في البحث والتطوير في مجال التكنولوجيات الدفاعية بنحو كبير كجزء من جهد مشترك.
وقد جرى تصميم خطة تنمية قدرات وكالة الدفاع الأوروبية مع وضع هذه المتطلبات على وجه التحديد في الاعتبار. ودفع هذه الخطة إلى الأمام من شأنه أن يمكن الاستعمال الأمثل للموارد المتاحة للدول الأعضاء ــ وبالتالي تأمين التآزر الاقتصادي المفيد ــ فضلا عن التحديد الدقيق للموارد الإضافية المطلوبة لتحقيق أهدافنا.
الواقع أن الأساس القانوني لآلية التعاون الدائم المنظم في المجال الأمني قائم بالفعل، ومنصوص عليه في معاهدة لشبونة. تسمح أحكام المعاهدة لدول الاتحاد الأوروبي الراغبة بتعزيز تعاونها في المجال العسكري والنشر السريع للمهام في الخارج. وكان تفعيل هذه الآلية جزءا من مناقشات دارت مؤخرا في إطار المجلس الأوروبي، ويبدو أنها الطريقة الأنجع لتعميق التكامل الدفاعي. ومن المؤكد أن الاتحاد الأوروبي الذي يعد الأمن والدفاع إحدى ركائزه الأساسية قادر على تعزيز ثِقَل أوروبا على المستوى العالمي.
ما يزال بعض المراقبين يتصورون أن تعميق التكامل الدفاعي ربما يضعف مؤسسات أخرى، مثل منظمة حلف شمال الأطلسي، الذي ينتمي إليه أعضاء الاتحاد الأوروبي. ولكن حقيقة الأمر هي أن قدرة أوروبا على توفير استجابة جماعية فعّالة في الأزمات لابد أن تكون موضع ترحيب من قِبَل حلف شمال الأطلسي (الذي ستتوفر له موارد إضافية تحت تصرفه) والأمم المتحدة. وعلاوة على ذلك، من شأن دمج الدفاع في الاتحاد الأوروبي أن يعمل على تسهيل عمليات حلف شمال الأطلسي، حتى يتسنى لمجموعات من دول الاتحاد الأوروبي المشارِكة في التعاون الدائم المنظم، على سبيل المثال، المشاركة في مجلس شمال الأطلسي، السلطة الحاكمة لحلف شمال الأطلسي، ككيان موحد.
إن تعريف الاتحاد الأوروبي لا يقتصر على الكيفية التي يحمي بها مواطنيه، بل يشمل أيضا تصرفاته خارج حدوده. وبعيدًا عن ضمان استرشاد هذه التصرفات بالقانون الدولي، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعمل على تعزيز مناقشة عالمية بشأن أوجه القصور التي تعيب بعض المعايير الدولية في مواجهة الصراعات الجديدة اليوم.
حتى في عصرنا الذي يتسم بتفشي التشكك في المشروع الأوروبي، يريد مواطنو أوروبا من الاتحاد الأوروبي أن يتبنى نهجاً حاسماً في التعامل مع السياسة الخارجية والأمنية، وهو أمر ضروري، ومفيد، وجزء من واجبنا. ذلك أن تعريف الاتحاد الأوروبي يتوقف في نهاية المطاف على تضرفاته، ومن المؤكد أن السلام والأمن من المنافع العامة التي يتعين عليه أن يوفرها داخل حدوده وخارجها على حد سواء.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة