الدولة البوليسية.. وأبناؤها

/نحتاج دائماً، عندما نتحدث عن فتك الدولة البوليسية بابنائها، الى استذكار نهاية الشاعر والفنان والسياسي، القيادي السابق في حزب البعث شفيق الكمالي حيث شكلت تلك النهاية الدرامية، مسموماً في منزله، خلفية بالالوان الطبيعية لوحشية دولة البعث البوليسية، فمن خلال التغيير المتكرر في مراكزه القيادية ومناصبه الرسمية يتضح انعدام الود المبكر بين الكمالي وصدام كون الاول اسبق انتماء وأوسع مكانة في المجتمع الحزبي، وكان صدام يتعامل معه للاعتبارات نفسها.
/صدام حسين صيّر الحزب مخفراً للشرطة لا تقتصر مهمته على قمع أعداء وخصوم السلطة ورئيسها، بل أيضا التنكيل بلا رحمة بمن تدور حوله شبهات عدم الطاعة والولاء من أعضاء وكوادر وقيادات الحزب الحاكم. وكتب الكثيرون عن منطقة الرعب وانعدام الوزن التي عاش فيها مسؤولون كبار تلاحقهم «فراسة» صدام حسين الأمنية الدموية الى مخادعهم، فكان صدام يراقب البكر، والبكر يتنصت على حردان التكريتي، وحردان يتحسب من عزة الدوري، والكل يتجسس على الكل، ويختار الكثيرون مثل سعدون حمادي، طريق النجاة بجلودهم عن طريق الصمت واحتساب زلات اللسان.. وكان صدام كما كتب فخري قدوري في مذكراته «يستعمل كل قضية، شاردة وواردة، لإرهاب الآخرين، ولم يكن يتورع عن اغتنام حتى التفاصيل ذات القيمة التي لا تكاد تذكر لإشباع رغباته، فإن هو شرب الماء وضع القدح بقوة على الطاولة، وإن نظف أنفه قرن ذلك بأصوات مزعجة، ولم يكن على الحاضرين سوى المعايشة والانتظار حتى نهاية هذه المسرحية المقرفة».
/ ومن بين ما سر شفيق الكمالي لزوجته «تلقيه حقنة في أثناء وجوده في معتقل المخابرات على أساس مساعدته في خفض ضغط الدم الذي كان يعاني منه، وظلت هذه الحقنة محل تساؤل الجميع بعد مغادرته ثم وفاته بعد فترة قصيرة، ويقول قدوري «في تلك الفترة العصيبة كانت الإشادة بصدام جانبا مهماً من بروتوكول التعامل مع المناسبات التي تمر بالعراق، تتابعها اجهزة المخابرات بدقة لتبني على أساسها كبفية التعامل مع هذا او ذاك» وقد ترك الكاتب على ارض المعركة جملة جديرة بالتأمل، يقول فيها «إذا كانت الدكتاتورية وصلت قمة الهرم في عهد صدام، فان الشرخ في البنية المجتمعية وصل هو ايضاً ذروته».
/مشكلة احزاب السلطة عندما تنزلق الى اغواء الدولة البوليسية انها تصطدم بالنسيج الاجتماعي، فاما انها تمزقه او انه يرد عليها بالتماسك ويمنع مشروعها من المرور، كما حدث في مصر.
******
جون شتاينبك
«الشعب الذي يسير على طريق الموت يحتمل الحاضر، وينبذ المستقبل، ويتمتع بالعظمة الماضية والمجد الذي لا يذكره جيدا».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة