إدوار ألبي.. عبث في الحياة والمسرح

المحرر الثقافي

توفي الكاتب المسرحي الأميركي إدوارد ألبي 16 أيلول في منزله في مونتوك(نيويورك) عن 88 عاما…ولد ادوارد البي في واشنطن العاصمة عام 1928 وعاش في أسرة ارستقراطية وتلقى تعليمه في المدارس الخاصة. وبخلاف ما كان يتوقعه له والده بالتبني أظهر البي تمرداً شديداً على التقاليد الاجتماعية السائدة وتوجه إلى دراسة الفنون والأدب وتغلغل في الوسط الثقافي على نحو مصيري. غادر ألبي منزل والديه إلى نيويورك وهو شاب في العشرين من العمر وخلال تلك الفترة اضطر إلى العمل في بعض المهن المتواضعة، وبرز ألبي على خارطة المشهد الثقافي والمسرحي الاميركي على نحو قوي في الخمسينيات من خلال تقدمه لعدد من الاعمال المسرحية المتميزة التي تمتلئ بتفاصيل الصراع العنيف والمعاناة وخيبة الامل التي تميزت بها تلك المرحلة التي شهدت انتقالاً مفاجئاً في حياة المجتمع الاميركي من حالة الهدوء التي شهدتها خلال الفترة التي تولى فيها ايزنهور الرئاسة الى مرحلة الستينيات المضطربة.
يصنف البي على انه أحد روّاد المسرح العبثي الأميركي في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتُصنّف أعماله المسرحية، هو الحائز ثلاث جوائز بوليتزر، من بين روائع رواد المسرح الأميركي الحديث من أمثال آرثر ميللر وتينيسي وليامز ويوجين أونيل ورواد المسرح العبثي العالمي من أمثال صموئيل بيكيت وأوجين يونسكو وهارولد بنتر.

لم يخف يوما
أمضى ألبي حياته الإبداعية تحت الأضواء متنقلاً بين مسارح برودواي التي عرضت أعماله لعقود وكرسته كأحد أهم مبدعيها، لكنّ حياته الشخصية بقيت ملكاً له وحده. لم يَخفِ أنه مثلي، لكنه رفض وسمه «ككاتب مثلي الجنس»، قائلاً: «أنا ببساطة كاتب صودف أنه مثلي». وقد آثر في محاضراته الجامعية التطرق فقط إلى طفولته الصعبة وبداياته الفاشلة، ليكون ملهماً لطلابه.
«كنت يتيماً»، هكذا استهل ألبي، إحدى محاضراته الأخيرة، كما لو أن هذه العبارة القصيرة تختزل حياةً كاملة. في الواقع، ليس غريباً أن يكون صاحب مسرحية (من يخاف فرجينيا وولف) اللاذعة، قد عاش حياة متقلبة جداً، تسير فيها التغيرات الشخصية بمحاذاة المهنية إلى حد مخيف.

عناوين صادمة
على صعيد مهني مشابه، انبهر جمهور المسرح والنقّاد بألبي، كنجم الكتابة المسرحية الصاعد عندما اجتاح مسرح نيويورك في مطلع عام 1960، عبر مسرحيته اللامعة (قصة حديقة الحيوان) التي تلتها سلسلة مسرحيات ناجحة مثل (فرجينيا وولف) و(صندوق الرمل) و (الحلم الأميركي). حينها سطع كرائد في ما اصطلح على تسميته بمسرح العبث ومسرحية الفصل الواحد. فتهافت عليه المنتجون، ليجد لاحقاً أن كثيرين فقدوا اهتمامهم به ككاتب ناضج، لا سيما بعد (لوليتا) و (رجل بثلاثة أذرع). انتهت حربه الشخصية مع والدته بعد ثلاث سنوات من نجاحه ككاتب مسرحي، وكذلك مع النقاد بعد (ثلاث نساء طويلات) (1991) التي استلهمها من شخص والدته. وهي المسرحية التي جعلته الوارث الشرعي لكل من ويليامز وميللر.
وكما حياته الشخصية، شغلت إيقاعات الحب والكراهية مسرحيات ألبي إلى حد كبير. وفيها تكرست ثيمات متناقضة مثل: التفاني من أجل الآخر ورفضه، القبلات والصفعات، التصفيق والانتقاد.
في بداية العام 1958، ومع اقتراب عيد ميلاده الثلاثين، شعر إدوارد ألبي بعدم الرضا والفراغ التام. وعلى رغم أنه أحب الكتابة كثيراً، لم يستطع تحديد وجهته. فشل في كتابة الشعر، ولم يتمكن من كتابة القصة القصيرة، فتملكته فكرة واحدة وهي أنه سيصبح مثل معلمه «ويليام فلاناغان»، أسيراً لطموحاته الأدبية التي لن تصل إلى أي مكان. لكنه في شباط (فبراير)، وقبل شهر واحد من عيد ميلاده، جلس على كرسي قديم أمامه طاولة متهالكة، وشرع يكتب على آلة طابعة فكتب مسرحيته الأولى بسهولة مطلقة: «الأسطر تتدفق بسرعة كنوع من الانفجار. وهكذا لم تتوقف الكلمات».
اختار (قصة حديقة الحيوان) عنواناً للمسرحية، وهي تدور حول شخصين مختلفين تماماً يمثلان الصراع الطبقي، هما بيتر وجيري، بحيث يلتقيان في ظهيرة أحد الأيام في حديقة السنترال بارك. جيري يمثل الإنسان المقهور المغلوب على أمره والذي يصاب دوماً بالإحباطات المتواصلة، وهو لا يملك أي شيء سوى غرفة في بناء حقير يضج بالفقر والمرض والجنون؛ وبيتر وهو بورجوازي صغير يعمل في دار للنشر، متزوج وله ابنتان ويعيش في عالم مختلف بحيث يحافظ على تقاليد حياة ثابتة منظمة يصعد فيها السلم الاجتماعي خطوة خطوة، قانعاً بحياته، طامحاً لزيادة ملكيته.
يتخلل الحوار بينهما سخرية لاذعة من الواقع الأميركي الرأسمالي المرير، وينتهي اللقاء في شكل عبثي بحيث يدفع جيري بيتر تدريجاً عن المقعد ومن ثم يرمي له بسكين ليلتقطها ويدافع بها عن نفسه، لكنه لا يلبث أن ينقض بنفسه على السكين فيبدو الأمر كما لو أن بيتر انتزع أحشاءه.
يتجسد العبث في هذه المسرحية في الصراع مع قوة غاشمة لا فكاك منها، في تلك النزعة التدميرية للنفس داخل مجتمع قاس يسحق الإنسان ليتحول إلى حيوان شرس.
قادت أصداء المسرحية الجيدة، إلى إنتاجها في برودواي وظلّت تعرض ثلاث سنوات ونصف سنة. «استقللت من عملي كساعي بريد وكتبت المسرحيات على مدى خمسين عاماً… تلك كانت هدية عيد مولدي الثلاثين التي قدمتها لنفسي»، يقول ألبي.
في العام 1961، كتب ألبي مسرحية (من يخاف فرجينيا وولف) التي تحولت إلى واحدة من روائع المسرح العالمي في القرن العشرين، وتم اقتباسها في فيلم من بطولة إليزابيث تايلور. اختار ألبي شخصية الروائية فرجينيا وولف، التي انتحرت بسبب مشكلاتها النفسية، كرمز للموت والتفكك واهتراء المجتمع الأميركي القائم على الأكاذيب والمظاهر الخارجية الخادعة خلال ستينات القرن العشرين. الخوف من فيرجينيا كان الخوف من مصيرها. وتبرز في المسرحية شخصية مارثا، التي لا تنفك عن استفزاز زوجها جورج. ومع قدوم «الضيفين» إلى منزلهما تتوالى الأحداث بحيث يفضح كل منهما الآخر لجهة الخيانة والعجز وزواج المنفعة.
لطالما تميزت كتابات ألبي بحس نقدي لاذع للمظاهر الخادعة في المجتمع الأميركي، بحيث دأب على تقديم حقائق الحياة اليومية في مختلف مستوياتها. وعلى رغم أنه توقف عن الكتابة لعقد من الزمن، إلا أنه عاد وفاجأ جمهوره عام 1991 بمسرحية (ثلاث نساء طويلات).

ثلاث نساء
النساء الثلاث هن شخصيات أو أعمار حياة امرأة واحدة، استوحاها ألبي في شكل شبه تام من والدته بالتبني. فتاة انتزعها حرص أمها المبالغ به من طفولتها، ليزرعها بين يدي أول شاب يطلبها للرقص، وبدخولها حلبة الرقص تجد أنها غادرت ساحة طفولتها إلى الأبد. هكذا تحولت في ليلة واحدة من فتاة إلى امرأة لا تعرف كيف تواجه واقعها الجديد، ولا تعي أصول التعامل معه. هي فقط تبحث عن مبرر مقنع لتصرفها غير حجة الوقوع في الحب التي لا تُقنع أمها على الإطلاق. وأخيراً هناك المرأة التي تختار الهروب من المأزق عبر الزواج برجل مسن، مشوه العين، يحاول ملء فارق السن بالفارق الطبقي والمادي بينهما.
وكانت اعمال ألبي، التي تتميز بمسحة خفيفة من الفكاهة، تستكشف الجوانب المظلمة للزواج والدين وتربية الاطفال والحياة الاميركية عامة. وقال في العام 2008 إنه «شذوذ في العقل الذي يجعل الانسان كاتبا مسرحيا، فانا لدي نفس التجارب التي لدى الآخرين ولكني اشعر بالحاجة الى ترجمة الكثير مما يحدث لي والكثير مما افكر فيه الى مسرحيات».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة