مئوية روالد دال.. الجاسوس البريطاني وكاتب الشوكولاتة

شادي لويس

منتصف شهر أيلول/سبتمبر الجاري، احتفلت مدينة كارديف، بالذكري المئوية لميلاد كاتبها المفضل، روالد دال، حيث شارك أكثر من ستة الآف متطوع، على رأسهم عمدة المدينة، في إعادة تمثيل مشاهد من قصصه وقراءتها أمام الجمهور في الميادين والشوارع، ولأسبوع كامل. كان الاحتفال الإستثنائي في ضخامته، تعبيراً عن ولع البريطانيين بأحد أشهر كتّابهم، وبسيرة حياته التي لا تقل غرائبية ودرامية عن قصصه. فدال لم يكن مجرد كاتب مفضل لأجيال من البريطانيين، ممن قرأوا حكاياته في طفولتهم، وليس الشاعر والسيناريست وكاتب الدراما التلفزيونية فحسب، بل إن سجلّه البطولي في معارك الحرب العالمية الثانية، والتي شارك فيها كطيار حربي، وإصابته في ليبيا التي لم يتعافَ من آثارها أبداً، ودوره الاستثنائي في «معركة أثينا»، ومن ثم اختراعه لصمام طبي لإنقاذ حياة طفله الثاني الذي أصيب في حادث سيارة في شهوره الأولى، وهو الصمّام الذي ساهم في إنقاذ حياة الآف الرضع لاحقاَ، ومأساتي وفاة طفلته الصغرى وإصابه زوجته الأولى بالجلطة الدماغية، جعلت منه بطلاً تراجيدياً في عيون الكثير من البريطانيين.
لكن سيرة دال، رغم بطولاته وجماهيرية كتاباته، لا تخلو من معضلات. فقد اتّهم بمعاداة السامية، خصوصاً بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982)، إذ صرّح آنذاك: «كنت معادياً لإسرائيل، أما الآن فأنا مُعادٍ لليهود أيضاً». كما أن كتاباته للأطفال لطالما انتُقدت لترويجها وإعاده انتاجها أفكاراً شديدة الرجعية. فعلي سبيل المثال، كتاب «تشارلي ومصنع الشوكولاته»، وهو أكثر كتبه توزيعاً (20 مليون نسخة)، اتّهم بالترويج للعنصرية ولقيم استغلال علاقات العمل الرأسمالي بل وبتمجيد العبودية! الأمر الذي دفع منتجي الفيلم الأميركي المأخوذ عن الكتاب (فيلم «ويلي ونكا ومصنع الشوكولاتة»، 1971) إلى تعديل السرد الأصلي، لتفادي تلك الإتهامات، وهو الأمر الذي قام به دال نفسه في الطبعات اللاحقة لكتابه.
ومع ذلك، فقد دعته السيدة الأميركية الأولى، إليانور روزفلت، إلى البيت الأبيض، للقاء أطفالها المغرمين بحكايات الكتاب الخرافية. وكان على أثر تلك الزيارة، أن انضم دال للعمل في الاستخبارات البريطانية، مستغلاً علاقات الصداقة الجديدة بعائلة الرئيس الأميركي، وعلاقاته المتشعبة في الأوساط الثقافية والفنية في الولايات المتحدة، لإعداد تقارير سرية عن موقف الإدارة الأميركية من الحرب العالمية الثانية، والعمل على تجنيد عدد من المثقفين والفنانين الأميركيين للتأثير فيها لأجل تغيير الموقف الأميركي المحايد من الحرب. ورغم أن هجمات بيرل هاربر، لا عمل دال الاستخباراتي، كانت السبب الرئيس في دخول الولايات المتحدة الحرب، إلا أن تلك الصدفة البحتة، التي سمحت له بولوج البيت الأبيض عبر تعلق أطفال روزفلت بقصصه، لا تهتك فقط براءة أدب الأطفال المفترضة، بل تكشف تقاطاعاته مع السياسة المباشرة، بل وفي أكثر اشكالها فجاجة، أي الجاسوسية والحرب.
يظل دال، مع هذا، بطلاً قومياً في عيون بريطانيين كثر، والكاتب المفضل لملايين الأطفال حول العالم ممن قرأوا حكاياته الممتلئة بالغرائبية وبقسوة عالم البالغين.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة