ذاكرة الأرض مدينة الثورة(1)

من (آن) و(آنليل) و(آنكي) وهم ينقذفون في الرحم البغدادي ولدت مدينة (الثورة)، من مكان معفر بتراب الجنوب وبيئته. فقد حمل المهاجرون للمدينة معهم الاهوار والقصب واالبردي وطيور الماء والبط ، حملوا معهم مملكة الماء(ميسان) واساطيرها مثل(الطنطل وعبد الشط) والعالم السفلي في حضارة سومر وأور الناصرية.
ان بناء المكان في الرواية وخاصة مدينة مثل(الثورة) يتطلب معرفة عميقة بنسيج روح المكان، وكما يقول الحكيم الصيني حول كيفية رسم شجرة( اذا لم تتخيل كيف يمكنك الدخول الى الشجرة وترى كيف تنظر الشجرة الى نفسها فلا يمكنك ان ترسم شجرة.) الحكيم الصيني يعني بقوله عملية الدخول الى الروح، حيث يتم اكتشاف السر وتذوق معناه الخفي، سر يدفع الروائي الى بناء روح المدينة. ومدينة مثل (الثورة) كما رسمها بعض الروائيين العراقيين بمختلف اللوحات والمشاهد والاجواء جاءت بألوان متمايزة وحركات متباينة ومناخات تحمل أنواء كتابها أثناء عملية الرسم مثل رواية (أبن زوال) لكريم كطافة ورواية (خلف السدة) لعبد الله صخي ورواية (البلد الجميل) و(انه يحلم،انه يلعب، انه يموت) لاحمد سعداوي مع روايات اخرى لكتاب من أبناء الثورة، وروايتي(خضر قد والعصر الزيتوني) التي صورت(الثورة) المدينة الغبارية وكأنها تعيش كارثة طبيعية ونووية وانسانية بهذا الغبار الجاثم على صدر الهواء والناس والبيوت، حيث دائما يضربها صدام وحكومة البعث في شغاف قلبها. كأن مدينة (الثورة) تعيش نكبة أبدية وازمة فقدان مزمن لأبنائها الذين يختطفونهم من حضنها ولا يرجعون أبدا، حيث كان الموت بيد سلطة البعث وهو يسرق الأبناء من الامهات فتعيش المدينة في حداد سرمدي، تعيش ثكلى من الصباح الى المساء فلا يتخيلها أي من الروائيين بغير الثياب السود.
(الثورة) مدينة تنهض يوميا من فراش الغبار وهي تنفض عن جسدها الترمل والفقدان، بالكاد تتخلص من الأكف الصغيرة للاطفال اليتامى المتشبثين بأذيال ثوبها الحدادي، وهم ينظرون في شاشة عينيها لعلهم يعثرون على صور وجوه آبائهم، لكنها تسلمهم بيد الارامل والثكالى المتوسدات منعطفات جسدها.
تنهض الثورة من محنتها الى الحياة لا يقعدها كرب الفقدان ولا تشلها أهوال الحزن والألم عن اللحاق بمركبة الحياة المسرعة. هي مدينة روائية لا تموت على الرغم من سوء بعض أبنائها من الرفاق البعثيين القدماء ورجال الأمن والمخبرين، كما تعاني اليوم من سوء بعض ابنائها من الرفاق الجدد حيث عصابات الخطف والقتل والسرقات حتى تشوهت سمعة المكان وجلبوا العار لروح المدينة، لكن هذا الصيت الأسود لا يقارن مع صيتها الأبيض في جميع حقول الأبداع، إذ خرج من رحم مدينة(الثورة) أجيال من المبدعين سرقوا أضواء الدنيا ليتوهج ويسطع وجه المدينة، وجه يغسلونه من ليل الحزن الطويل ومن ظلام القهر الغاشم.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة