الإجازة 5 سنوات قرار صائب أم خاطئ؟

يقيناً انه قرار خاطىء في أي ظرف آخر، ويكشف عن خلل كبير في نظامنا الاقتصادي والاداري.. لكنه في هذا الظرف فانه قرار قد يقيه من الاثار الايجابية اكثر من الاثار السلبية. فالاوضاع المالية صعبة بسبب انهيار اسعار النفط واعتماد البلاد على الموارد النفطية بنحو كامل تقريباً.. اذ تستهلك الموازنة التشغيلية اكثر من ثلثي موازنة الدولة، تذهب معظمها تحت باب تعويضات الموظفين.. فالدولة ترهلت كثيراً وتعاني من بطالة مقنعة بحيث تقدر بعض الدراسات ان معدل العمل في مؤسسات الدولة لا يتجاوز 20 دقيقة في اليوم.. بكلمات اخرى ان اقل من 200 الف موظف في الدولة، يقومون بعمل نحو 3 ملايين موظف تقريباً، وهو مجموع الملاك الحالي تقريباً. فاذا اضيف عدد المتقاعدين فسيرتفع العدد الى اكثر من 7 ملايين مواطن، ومن دون ذكر العاملين في الشركات العامة والمتعاقدين واليوميين والاعانات والرعايات والمنح.. بينما كان عدد الموظفين والمتقاعدين في عام 2004 لا يتعدى 1.8 مليون شخص.. وهذا نمو سرطاني قاتل عندما تصبح الدولة هي المصدر الوحيد للرزق، وفيها من الامتيازات وامكانيات الاثراء ما لا يتوفر في غيرها.. لذلك ستتحول الى ملجأ شبه وحيد، وسيترك الفلاح ارضه والمهني حرفته والعامل صناعته وطلب الوظيفة والتوظف.. لذلك تضطر الدولة اليوم لايقاف استحداث ملاكات جديدة، ولن يجد ملايين العاطلين فرصاً للعمل، ويعم التشاؤم والاحباط الجيل الجديد، الذي ينمو بمعدل مليون نسمة سنوياً تقريباً، ولا يرى لنفسه مستقبلاً، بكل الاثار السلبية الاجتماعية والامنية والاقتصادية والنفسية.
فاذا استطاع هذا القرار-ان طبق- على اغراء اعداد مهمة من الموظفين على طلب الاجازة والاكتفاء بالراتب الاسمي، من دون المخصصات حسب القرار، الذي يشكل (الاسمي) في كل الاحوال نحو ثلث مجموع الراتب الذي يتسلمه الموظف، فان الدولة تكون قد وفرت ثلثي الراتب، دون ان تظلم الموظف او الموظفة اللذين قد يجدا فرصة للاستزادة من العلم والدراسة والحصول على شهادة ومعرفة وخبرة اعلى.. او قد يهتم، او تهتم، بشؤون البيت والعائلة والاولاد الذين قد يكونون في مرحلة حرجة من اعمارهم ويحتاجون الى ابيهم او امهم.. وقد يغري القرار من اقترب عمره من سن التقاعد فتكون الاجازة وكأنها تقاعد مبكر، حيث لا يحرم القرار الموظف من القدم والتقاعد.. وقد يبحث طالب الاجازة عن عمل او مشروع في القطاع الخاص فيسهم بزيادة الناتج الوطني من خارج القطاع العام، وهذا ما قد يخفف العبء عن الدولة وملاكاتها، ان طبق بشكل سليم واستكمل باجراءات في القطاع الخاص. بل قد يشجع ذلك على ترشيد ادارة الدوائر وتقليل النفقات العامة، وتخفيف الروتين والبيروقراطية المقيتة التي احد اسبابها كثرة الموظفين.. ولاشك انه قد يقلل من الفساد والنفقات الاجتماعية كالنقل واستهلاك الكهرباء والوقود والسلع الاستهلاكية والرأسمالية للدوائر، مما يشكل بمجمله عوامل ايجابية تعاني منها الدولة والمجتمع.
بل قد يفكر بعضهم بالسفر الى خارج البلاد او حتى للهجرة. وبرغم ان البعض يرى في ذلك امراً سلبياً، لكن الامر لا يخلو من فوائد وحلول.. فالسفر والهجرة امر مشروع وشرعي ومن اهم الوسائل التاريخية للخلاص من الظروف الصعبة، ولنقل الحضارات او لاكتسابها، ولاعادة توزيع الثروات بين الشعوب والامم. فكثير من الامم تنظم عمليات الاستقبال والهجرة لانها باتت احدى عوامل الدخل الوطني وتسهم مباشرة وغير مباشرة بتلبية بعض متطلبات الحاضر والمستقبل. فالبعض يتخوف من السفر والهجرة ويعدها تخلياً عن الوطن والمواطنة، بينما بينت التجارب ان الوطن والوطنية هما انتماء واحساس ومسؤولية. فكم من مواطن لا يشعر بهذا الانتماء وهو في وطنه.. وكم من مواطن يمتلئ بهذا الاحساس وهو خارجه، بل ان الاحساس بالمواطنة يملأ قلوب كثيرين لم يعيشوا في الوطن اساساً. فكلما اصبح الوطن مغرياً وجاذباً وضامناً للحقوق تشبث به المواطن سواء اكان مقيماً على ارضه او خارجها.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة