تحرر الشعر في مجموعة (سفر الأيام)

مهند صلاح

كان من أبرز الإهتمامات في الكتابة الحديثة هو التحرر من الجماليات الوجودية و التجريبية. و قد بحث عن الوسائل الكفيلة بعدم جعل الشعر محاكاة للواقع أو بديلا عنه، بل جعل من هذا الواقع صورة مكثفة. خصوصا بعد أن بدا (الشعر العمودي) المنتظم للكثير من القراء و كأنه يستهدف الإلهاء و التخدير، عبر موسيقاه الخارجية الصاخبة و تقيده ضمن إطار الوزن و القافية التي تجعل المتلقي في حالة من التصوف الفكري الذي يخرجه من إطار الواقع نحو مناطق من التشظي اللامحدود في نظام السبات الآني و الفوضوي الذي يتعارض مع شعرية الحدث و إنسياقه نحو الحقيقة. كان إلتزامه بالشكليات يعني بأن الكثير من المسائل غير المنطوقة أصبحت من المسلمات. كانت الكلمات تعمل بحسب علاقتها بموقعها في الجملة، و ما كان يهم (القارئ) في نهاية المطاف هو ما يقوله الشاعر في نهاية القصيدة. بينما أراد الكثير من الشعراء شيئا يفسح المجال أمامهم للتعبير. أرادوا المعنى الكامل في التجربة، و من هنا جاء الإلحاح على كشف الحقيقة التي أراد الكثير من شعراء العمود تزييفها عبر إعتبار (قصيدة النثر) نتاج غربي و إن كتابها ليسوا سوى مقلدين و ناسخين، و تناسوا بأن قصيدة النثر هي الإمتداد الأول و الحقيقي لكل مراحل و أشكال الشعر، و إنها (شرقية) بإمتياز. و في محاولة للغوص في مجموعة (سفر الأيام) للشاعر عدنان جمعة الساعدي. كان لابد من تحديد الكثير من الإشارات المتاخمة للنصوص و تعزيزها بالمدلولات الحسية عبر القراءة و أدواتها..

ففي نص (مواعيد مثقوبة):
أيها الليل الشتائي الطويل/ أقدم قرابيني/ حبلى بمواعيد مثقوبة/ تدحرجت في التيه نجوما هاوية/ رسمت بجدران الصمت/ و المسافات بيننا طوال/ نفس أضعف من مرآة مخدوشة/ شوق يرجم تحت رحمة الساعات/ ليل ولدت في مخابئه قصائد مقدسة، و سفر الأغنيات/ أبحث عن الذات بين السماء و الأرض المستديرة..
في النص إلحاح متواصل على (جوهر الشعر) و على التواصل في العلاقة التوظيفية بين النثر و الشعر، و تحويل هذا النثر الى شعر متحرر من قيود النظم. و قد توجه كل هذا الإهتمام بالنثر لأنه يسير في طريق من صنعه كـ (شاعر) و هو الوحيد من له الخيار في كل خطوة يخطوها و القادر على الإفادة من المصادفة، و خلق نسقه الخاص، و من ثم فإنه يجيد تسجيل الحياة ذات الخصائص و المظاهر المتنوعة.. إن النثر سريع التأثر و قادر على قولبة نفسه حسب الظروف الإنسانية و في أي لحظة تأريخية خاصة.. يقدم عدنان الساعدي على سبيل المثال الأسباب الآتية التي جعلته يستخدم الإيقاعات النثرية الحرة في النص السابق، و حتى النصوص التي ستليه، فهو معني بتصوير الكثير من الإضطرابات و التطورات الغير مستقرة في حياة البشر، و الطبيعة الغريبة لكل الأحداث التأريخية التي تنحصر بين (الشخص/ المحيط) جميع المصادفات التي تمر من خلال ثيمة الحدث داخل هذه النصوص و طرق توظيفها المتمكنة. و مع كل هذا فهو يؤكد بأن تكون اللغة ملائمة لهذه الحاجات..

في نص (النورس السكران):
أجنحة بلون النسيان، تحلق على أوراقي هجرا/ دمعة بلون زهرية بلورية/ زهو غيمة شكل وجهي/ ولدنا قضاء و قدرا/ أنت النجم و الكوكب و فرح الجداول/ أنا مزار للعاشقين/ على رأسي تغني إناث النوارس/ أنا الضوء، لكل حالم يتسول الأحلام ..
قد تواجه (قصيدة النثر) صعوبة أكبر من تلك التي يواجهها (العمود الشعري) في تكثيف المعاني، إلا إن قصيدة النثر تستطيع التعويض عن ذلك من خلال قدرتها على تكثيف عدة نغمات عن طريق تحرير أو تحدي مصادر الصوت.. لقد إتخذ الشعر أشكالا عديدة و متنوعة إلا إن المصالحة بين الشعر و النثر لم تأت بصورتها التامة و المتطورة، الا عن طريق (قصيدة النثر) ..
إذن فقصيدة النثر هي جزء كبير من الحركة العامة لتحرر الشعر، و هي ظاهرة عراقية على نحو مميز، و ربما يعود ذلك الى الفصل بين الشعر و النثر في العراق، و الذي كان فصلا تاما لفترات زمنية طويلة، و من الملاحظ بأن قصيدة النثر ترجع بإصولها الى النثر الشعري كما في الكثير من الشعر الذي تناقلته الحظارات العراقية عبر آثارها التي لا تزال شاهدة حتى وقتنا هذا، و النثر الفلسفي و الشعري الذي ضمته الكتب السماوية بين طياتها..

في نص (أزهار البنفسج
تحت عناوين المطر):
أزهار بلون البنفسج/ تسلقت شرفة عالية/ تناجي عناوين المطر/ جدائلها غفت بسكون الليل/ و أنغام قيثارة خرساء/ رسمت حكايات مبعثرة على جدران البوح/ أيقظت الصباح/ عيناها تتسعان، لدعابة نورس خجول، يحلق بإيماءات التساؤل/ إغتسل بعطر الحياء/ تحت جناحيه دفء الأسفار/ البوح ممنوع، خوفا من جنوح المطر ..
(الساعدي) هنا يحاول أن يمارس دوره في عمليات الخلق الشعري التي يبتدعها عقله مثل مخلوقات الطبيعة. و في كلتا الحالتين هناك مخلوقات تقف في الوسط بين مخلوقات متناقضة، فهو لا يقسم العالم الى إثنين، بل يوحده بثلاثة، و تسير الطبيعة عبر التدرج كما هي الحال بالنسبة للعقل. و هو يثبت بأن تاريخ قصيدة النثر هو تأريخ الإستعلام عن الشكل و تجنب الإجابة. عندما يختبر (الباحثون) الضعف و القوة في قطعة نثرية قصيرة فإنهم لا يجدون سوى إحتوائها على كليهما. كما إنهم لا يحصلون على قاعدة محدودة.. إن إحدى الخصائص الأساسية لقصيدة النثر هي قدرتها على الإحتفاظ بطبيعتها الطارئة (أي) حداثتها المتجددة التي لا يمكن السيطرة عليها رغم عمقها التاريخي..

في نص ( إنهيار):
أي أزمة ستأتي بثوبي الرمادي/ أي طريق أحلم به، و أي فنجان ستقرأه العرافة / تساؤلات، و في كفي الجواب/ أي جواب/ و إنه الممنوع من سرد الماضي، و كلانا في بودقة الأحزان نذوب/ أنا .. أنت/ نلملم دقائق نشتهيها في وجوهنا العارية من الخذلان، فوق لحظات الانهيار ..
لا تكون قصيدة النثر في الغالب إعاقة تدريجية أو إخماد لرواية القصص أو الوصف، و يبدو إنه من الواضح بأن الشاعر هنا ينتج قصائد نثرية تمتاز بإيقاع سريع و هو الذي لا يقوى السرد القصصي و الروائي على اللحاق به كما هو الحال في نص (إنهيار)، حيث يحول الشاعر عدنان الساعدي النشاط الديناميكي للقصة الى صور شعرية تستحق التلقي..
تجب الاشارة إلى إن نصوص مجموعة (سفر الأيام) هي أشبه بالأشرطة السينمائية و تقع في ( 44 ) نصا، و المجموعة من إصدارات دار زاكي للطباعة و النشر في بغداد …

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة