الأخبار العاجلة

التلوّث.. الفساد الأعظم

نتكلم كثيراً عن الاصلاح والفساد.. لكننا لا نتكلم ولا نعمل كثيراً لاصلاح الفساد الاعظم الذي يكلفنا ارواحاً كثيرة، وثروات هائلة، ويدمر حياتنا، ويورثنا ويورث اطفالنا امراضاً وتشوهات لا تعد ولا تحصى، وهو التلوث الذي تتحمل مسؤوليته الدول الاجنبية والدولة العراقية والمجتمع وعاداتنا وانماط عيشنا. بالامس زرت احد الاخوة وهو طبيب، وكان مصاباً باسهال حاد، وسببه تناوله في احد المطاعم خضروات ملوثة. وتشير التقارير عن اصابات كثيرة بالسرطان وتشوهات ولادية وامراض الحنجرة والصدر الجهاز الهضمي سببها جميعاً التلوث.. فعدا حرق الغاز والمصافي، ومعامل الطابوق، ومولدات الكهرباء، وتلوث المياه، ومخلفات الحروب والارهاب، واهمال بناء معامل معالجة النفايات، ازدادت ظاهرة حرق النفايات. التي تسببت –تقرير اميركي- باصابة (85 الف) عسكري اميركي، بعوارض تنفسية او سرطانية وعصبية اثناء وجودهم في العراق.. وتضمن كتاب «حُفر الحرق» The Burn Pits (شباط/2016 لكاتبه «هيكمان») حرق الجيش، الالكترونيات وعلب الالمنيوم واطارات وذخائر ومتفجرات وغائط بشري وجثت حيوانات وبطاريات ولوحات اسبست ومواد فولاذية.. فللجيش الاميركي يومها (270) محرقة، واحدة (40 دونماً) قريبة لقاعدة «بلد»، تحرق يومياً (50) طناً طيلة الاسبوع. وتسجل دراسة لـ»البنتاغون» في «بلد» (2008)، معدلات عالية من الجسيماتParticulate matter) )، من الهيدركاربونات العطرية المتعددة الحلقات ( Polycyclic aromatic hydrocarbons)، والمركبات العضوية المتطايرة (Volatile organic compounds)، والديوكسينات (Dioxins)، والفوران (Furans). وتشير فحوصات لاسنان اطفال عراقيين احتوائها اربع مرات (وحالات استثنائية 50 مرة) من «الرصاص (Pb) مقارنة باطفال لبنان وايران.. وفي ايار 2010 مثلت الامراض والتشوهات الولادية (15%) من (547) ولادة في مستشفى البصرة، في حين الطبيعي (2-4%)، وارتفعت النسبة الى 30% مع نهاية العام، حسب التقرير.. ومن فحص شعر الاطفال والاباء لوحظ معدلات عالية من الزئبق والرصاص والتيتانيوم ومواد سامة اخرى. نعيد نشر نص افتتاحية كتبتها في (15/5/2011) بعنوان «العراق.. رابع اكبر ملوث للبيئة في العالم»:
[«مع احتراق 600 مليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي يومياً، يعد العراق –حسب الامم المتحدة- رابع اسوأ معتد على تلوث الهواء عالمياً.. يضاف لذلك عوامل التلوث الاخرى.. فالغبار مثلاً اصبح ظاهرة شبه يومية.. ليبلغ مجموع المتساقط سنوياً في ما يزيد على 100 الف طن.. بمعدل وطني20 غرام/متر2/ شهرياً.. ويصل في الغرب والجنوب الى 50-90 غم/م2/ شهر.. وحالة المياه لا تقل سوءاً.. اذ يرمى يومياً في دجلة فقط ربع مليون طن من مياه الصرف الصحي.. وبلغ التلوث البكتريولوجي (من دون الكيمياوي والاخرى) للمياه كمعدل وطني 16%.. ويصل احياناً 30% في مناطق جنوبية.. ويتجاوز الـ5% كحد مسموح به وطنياً ودولياً. فاذا اضفنا عوامل التلوث الاخرى، فانه يمكن تصور حجم الاضرار المباشرة وغير المباشرة.
الفارق بين العراق والدول الاخرى، ان سبب التلوث هناك المصانع وانماط العيش المتطورة.. وسببه عندنا، الاهمال والعدوان المجرد. يقابل التلوث عندهم التقدم والرخاء وقدرات الحماية والحصانة، ولو النسبية.. ومقابله عندنا الفقر ودمار الانسان والحيوان والطبيعة. ثلاثة قطاعات اساسية يجب العمل عليها.. الاول، بضبط عمليات استخراج النفط وتكريره واستعماله.. وبنحو عاجل، استثمار الغاز الطبيعي ووقف حرقه باضراره المزدوجة، فنخسر مليارات الدولارات سنوياً اضافة للتلوث.
والثاني حسن التعامل مع النفايات والمياه الثقيلة من قبل الاهالي والقطاعين العام والخاص. واعتبار التخلص من النفايات والمواد الصلبة والذائبة في غير مواقعها، من الجرائم التي يجب ملاحقة الدولة والقطاع الخاص والاهالي عند القيام بها.
اما الثالث فيتعلق بالزراعة وتنظيم الري والكري ووسائله واستصلاح الاراضي وتثبيت التربة ومنع التصحر.. وببزل الارض لوقف الملوحة وانتقالها الى الانهار والمياه الجوفية والسطحية .. وعودة الاهوار (10-20 الف كم2) وببناء الخزانات والسدود.
لاشك ان المعالجة لا تقف بالحدود اعلاه.. فهناك الجانب التربوي وسلوك الاهالي، والقطاعات المهنية والصناعية والتنمية المستدامة والطاقة النظيفة وغيرها.. التي تتبع استراتيجيات طويلة الامد تنظم الحياة.. وتستثمر الموارد بما يطور طاقات البلاد ويحافظ على الطبيعة والبيئة.»
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة