الأخبار العاجلة

سعد محمد رحيم في «يدس أنفه»

سلام مكي

الحجم الهائل للدراسات والبحوث التي تناولت موضوع المثقف والثقافة جعلت من الكتابة عنه اشبه بمأزق حقيقي، كون ان تلك الدراسات تناولت اغلب الأمور والقضايا التي تخص هذا الحقل الثقافي، ومن يريد الكتابة مجددا، عليه ان ينقب في مناطق ثقافية صالت الاقلام فيها وجالت. سعد محمد رحيم، جازف بكتابه: المثقف يدس انفه، وكتب عن المثقف، وحاول ان يكون كتابه مختلفا عن باقي الكتب التي تتحدث عن ذات الموضوع، بطريقة تبدأ بطرح الاسئلة المركزية التي تشغل القارئ عن الاستمرار بالقراءة مدة غير معلومة، في محاولة للاجابة عن تلك الاسئلة التي اجدها غاية في الأهمية والدقة. فأول ما بدأ رحيم كتابه بالسؤال الآتي: هل من ضرورة لوجود المثقف في المجتمع والعالم؟ ماذا لو اختفى هذا الكائن اللاعب في حقل الثقافة على حين فجأة من المشهد الاجتماعي؟ هذا السؤال، لوحده كان محورا لأغلب الدراسات السابقة، في محاولة منها للإجابة عنه بطريقة او بأخرى. الجواب يكمن اولا في فهم وظيفة المثقف، وما توصلت اليه الدراسات من وظائف ونشاطات، يجب على المثقف الحقيقي الاضطلاع بها. يقول غرامشي في دفاتر السجن: كل الناس مثقفون وبناء عليه يمكن للمرء ان يقول: لكن لا يمارس كل الناس وظيفة المثقفين في المجتمع. والأهم من ذلك هو ان تلك الوظيفة تترك اثرا في المجتمع، يشعر بها الافراد، ويكون موضع حاجة لهم، في اغلب الاوقات. ان ضرورة وجود المثقف من عدمه في اي مجتمع تعود الى طبيعة دوره في ذلك المجتمع ومدى قربه من قضاياه وانشغاله بهموم افراده، بعيدا عن لغة التعالي والخطاب الموجه لفئة محددة، بعيدا عن امراض النخبة والجمهور والفن للفن، ومقولة: ولم لا تفهم ما يقال. وهذا ينصرف ايضا الى حالة اختفاء المثقف من المشهد الاجتماعي، فهو ان كان يشغل حيزا في ذلك المجتمع، فمن الطبيعي ان اختفاءه سيترك اثرا ويحدث خلخلة في المجتمع اما اذا كان هامشيا، المجتمع يهمشه، وهو يهمش نفسه، فمن الطبيعي الا يكون غيابه ذات قيمة في مجتمعه. اما باقي موضوعات الكتاب، فهي جاءت متسلسلة بطريقة ذكية، تمهد لموضوع المثقف وانتشار المصطلح، عبر مروره بفترات تاريخية طويلة، ولحظات حرجة عاشتها اوروبا انتجت معها مجموعة من المصطلحات التي مهدت لولادة مصطلح المثقف. فهو بدأ في مصطلح الانسنية التي تزامن ظهوره في عصر النهضة واستمر بالنضج حتى عصر التنوير. كما تناول موضوعات غاية في الاهمية والخطورة كالهوية والدولة والعنف، كما تدرج في تناول الموضوعات التي اسست لفكرة المثقف، بدأ بالانسنية كما قلنا ومرورا بالتنوير والحرية وصراع الهويات وغيرها. في ذروة الكتاب وهو القسم الثالث : المثقف الذي يدس انفه، اشار الى مسألة غاية في الأهمية وهي الصورة النمطية التي تشكلت في ذهن المجتمع بخصوص المثقف وهي: تصوير المثقفين كمجموعة من غريبي الأطوار، او أقلية من العاقّين، المتمردين على اعراف المجتمع، غارقون في سجالات لا تقدم ولا تؤخر، كما ان بعضهم يرفض ان يكون محسوبا على مجتمعه، ويشعر بالدونية حين يحسب قصرا عليه. هذا النمط من المثقفين، ساهم الى حد كبير، في اقصاء المثقف وتهميشه، واتاح الفرصة للسياسي ليكون بديلا عنه، قائدا للجموع، لأنه ببساطة قريب من توجهاتهم ومعتقداتهم الدينية في حين ان المثقف، يكفر بها، ويدعو الى الابتعاد عنها، ويسخر منها بطريقة لاذعة. ان عنوان الكتاب: المثقف الذي يدس انفه، يشير الى عدة معطيات ودلائل تختلف حسب رؤية القارئ الخاصة لها، لكنه عنوان، صادم، يحث على قراءة الكتاب.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة