الأخبار العاجلة

الدولة مو شغلتكم

مخاض طويل ومرير قارب المئة عام، عاشه مشروع الدولة العراقية الحديثة، وما زلنا نتخبط في مربعه الاول، بعد زوال النظام الملكي ثم الجمهورية الاولى والتي سحقتها عصابات الحرس القومي والمتجحفلون معها بعبودية وتشرذم وانحطاط، غزوة انحدر من رحمها الملوث ما عرف بـ (جمهورية الخوف) والتي استأصلها الغوث العابر للمحيطات ربيع العام 2003. وها نحن بعد أكثر من 13 عاماً على “التغيير” لم نوفق في الاقتراب من ضفاف ذلك الحق المشروع بامتلاك مشحوفنا الوطني (الدولة الحديثة) القادر وحده على انتشالنا من كل هذا الجحيم الذي انصب علينا من كل الجهات. عندما نتفحص بمسؤولية مسيرة تشكل الدول الحديثة، نجدها جميعها نتاج تراكم تجارب حقيقية من الكفاح والنشاط الايجابي من أجل الارتقاء والازدهار عبر افضل الوسائل لفك الاشتباكات في مصالح الافراد والجماعات، شوط وقف على رأسه خيرة الملاكات والزعامات الوطنية التي تضع مصالح الوطن والناس على رأس أولوياتها، لا كما حصل مع قراصنة النظام المباد (حثالة الريف وأوباش المدن) ولا كما حصل مع ورثتهم سكان المنطقة الخضراء.
الآباء المؤسسون للامم والدول الحديثة، لم يكونوا مسكونين بامراض الحنين للماضي والاساطير المنتهية الصلاحية ولا مشاريع الفرقة الناجية التي اعادت انتاج نسختها المحدثة من الخلافة (داعش) بل مثلوا الضد النوعي لكل تلك الهلوسات والهذيانات التي سحقت تطلعاتنا المشروعة في العيش كبقية الامم التي وصلت لسن التكليف الحضاري. لقد جسد الزعيم الوطني الراحل جعفر ابو التمن بسيرته وسلوكه ومواقفه الديناميكية باكورة تطلعات الشعوب العراقية في امتلاك مشروع الدولة الحديثة العابرة للقبائل والطوائف والاثنيات، وما موقفه من رغبة المرجع الاعلى آنذاك (الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء) بتنصيبه قائداً سياسياً للشيعة، الا دليل قاطع على وعيه العميق للمسؤولية التاريخية تجاه وطنه وسكانه من شتى المشارب والمنحدرات؛ عندما رفض ذلك الطلب بوصفه زعيماً لحزب عراقي وطني لا طائفي ولا قومي. وفي هذا قدم لنا ذلك القائد الفذ، درساً ووعياً متقدماً بنوع التحديات الواقعية لا الخرافية التي تواجه المجتمعات الحديثة.
أما اليوم وبعد مرور ثمانية عقود على رحيل جعفر ابو التمن، ها نحن نسلم مصائرنا وبعد عدة جولات من الانتخابات الى نوع من الكتل والزعامات كل مواهبها تكمن في الاستثمار ببرك التشرذم التي رفضها الرعيل الاول من الوطنيين العراقيين. وبعد كل جولة من الانتخابات يتصاعد التذمر والشكوى من عجز ممثلي الشعب والسلطات المنبثقة عن مجلسه في استرداد الامن والخدمات والاستقرار للبلد. غضب فاشوشي واستياء ودعوات فنطازية للاصلاح والتغيير، من دون الالتفات الى علل كل هذا العجز والفشل العضال. الى اننا جميعاً (داخل اسلاب الدولة وخارجها) لا نمتلك مقومات التأسيس لذلك المشروع اليتيم. والى ان ترحمنا الاقدار من مثل هذه المصائر المأساوية، وتسعفنا باجيال جديدة تعي معنى مشروع الدولة الحديثة وتشرع في وضع الاسس الراسخة المتناغمة وروح العصر لذلك الحلم الذي راود اسلافنا قبل مئة عام، سنبقى حايط نصيص لكل سلالات الجهلة واللصوص..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة