الجنسية.. وازدواج الجنسية

/حمل جنسيتين حالة محدودة بالاضطرابات التي تمر بها بلدان ومجتمعات فيجد مواطن لها نفسه خارج الحدود، او موصولة بهجرة عقول او اغتراب اشخاص وعائلات لأسباب لها ما يبررها، وفي غالب الاحيان لا تجيز دساتير بلدانهم اسقاط جنسياتهم بسبب اغترابهم، وفي العقود الاخيرة جرى التكيف الدستوري في الكثير من الدول مع حالات ازدواج الجنسية مادام ان حاملهما لم يرتكب ما يترتب عليه إلغاء احداهما.
/وبعد العام 2003 صار موضوع ازدواج الجنسية مدار جدل وملاسنات اعلامية، ومن النادر ان يجري اخضاع الموضوع الى ورشة تفكير في جوانبه المختلفة، الدستورية والسياسية والتاريخية، فيما يختزل البعض ازدواج الجنسية الى اعتبارات اخلاقية تمس الكرامات والولاء للوطن والتزام التقاليد، ويختزلها آخرون الى اسئلة تبسيطية مثل: كيف يوفق الموظف من حملة الجنسيتين بين قسَمٍ اداه حين مُنح الجنسية الثانية، وقسم آخر يؤديه مع تسلم الوظيفة «الوطنية»؟ او مثل: لماذا يتمتع عراقي بامتيازات مواطنة في بلدين وفي وقت واحد؟.وفي قليل من المرات يستعيد المتناقشون الحقيقة التالية ذات الصلة بازدواج الجنسية بالنسبة للغالبية من العائدين الى بلدهم بعد سقوط نظام صدام حيبن: اضطر ما يزيد على خمسة ملايين عراقي، في غضون ثلاثة عقود، الى الهرب والنزوح والهجرة والاغتراب عن بلدهم، في ظروف يتعذر معها تأمين اقامة كريمة وآمنة لهم في بلدان الهجرة والمنفى، في حين تمتنع حكومتهم (تحت الزجر والتضييق والتهديد والتخوين) عن تزويدهم بوثائق السفر وتحرمهم من حقوق الجنسية، بل وتستعدي دول المهجر عليهم.
/هذه الحقيقة خلقت موضوعياً ما نسميه بعراقيي الخارج الذين «انتجوا» بدورهم جيلا كاملا من الابناء الموصوفين في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بـ «الذين ولدوا خارج بلدانهم» وقد اضطر(اقول: اضطر) ما يزيد على نصفهم على اكتساب الجنسية الثانية كجزء من متطلبات العيش الامن وضمانات الحماية والتأهيل والافادة من الاقامة الاضطرارية، ولهذا الاكتساب فروض وتأسيسات وحقوق وشبكة معقدة من الالتزامات لا يصح، بل ولا يمكن، شطبها بعبارة او نص دستوري او شعار اخلاقي، فان أي خطأ في التعامل مع هذه الشريحة من شأنه ان يلحق افدح الاضرار بثروة وطنية لها شأن في حاضر البلاد ومستقبلها، عدا عن انه يصطدم بمعايير حقوق الانسان والمواطنة، ويعد- من زاوية- بمنزلة نهج للتمييز بين مواطني البلاد.
/وتتصل، طبعاً، بهذا الملف قضية في غاية الاهمية تتعلق بمسؤولية نظام الحروب والدكتاتورية والحزب الواحد والقمع القومي والديني والفكري عما اضطر مواطنين الى الهجرة، وبالتالي اضطرهم للجوء الى دول اخرى طلباً للحرية والعيش الكريم، والى ذلك فان قضية ازدواج الجنسية لها خصوصية ترقى الى الحساسية الاجتماعية والسياسية المتداخلة.. انها تمس قطاعاً من الشعب تكوّن تاريخياً ويمكن ان يسهم، إذا ما احسن التعامل معه، بدور كبير في اعمار البلاد وتنشيط دورة التأهيل والتنمية في مفاصلها الاكثر حيوية.. قطاعاً ليس من الخواجات، على اية حال.
*****
حكمة مترجمة:
«ما أسهل أن تكون حكيما . . بعد فوات الآوان».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة