فن استنطاق الحجر

الفنـان العـالمي النحـات آدم حنيـن:
نجاة عز الدين

آدم حنين.. من كبار النحاتين المعاصرين في العالم، مسيرته الفنية تجاوزت الستين عاماً، عرضت أعماله في مصر والدول العربية وأوروبا وأمريكا. ورغم أنه نحات في المقام الأول إلا أن رسوماته ولوحاته تأتي امتداداً لأعماله النحتية؛ فهو يتحاور مع المادة ويستشهد بها.
تنم أعمال آدم حنين (مواليد القاهرة 1929) عن سحر خاص يجمع بين تراث الماضي والحداثة، فهو يمتلك علاقة خاصة مع المعادن، يطوعها فيجعلها تبدو انسيابية أسطورية بخطوط كنتورية. ورغم إقامته في باريس لمدة 25 عاماً، إلا أنه ظل متأثراً بالفن المصري الذي استقر في وجدانه منذ الطفولة. وهو من قام بترميم تمثال (أبوالهول)، وأصر أن يقيم متحفه ومنزله بالقرب من الأهرامات بقرية (الحرانية) بالجيزة ليجمع أكثر من 4 آلاف عمل فني، وله متحف دائم بمكتبة الإسكندرية، وساهم في دعم أجيال من شباب النحاتين من مختلف الجنسيات بتأسيسه سبموزيوم أسوان الدولي. ورغم ارتدائه عباءة الثمانين إلا أنه يعيش حالة ألق فني؛ بمشاركته في عدة معارض في نيويورك، كندا ودول الخليج العربي.

* رغم وجود منحوتاك في العديد من المتاحف، لماذا فضلت أن يكون متحفك داخل منزلك وبجوار مرسمك؟
-هذا المتحف يجمع تجربتي ومشواري الفني الذي يزيد عن 60 عاماً، وهو يجسد مراحلي الفنية ويبرز تواصلها معاً، ويجمع أعمالي التي خفت عليها من الضياع، كما أشعر بسعادة كبيرة يومياً وأنا أستقبل زوار المتحف من مختلف الجنسيات، أستمتع بالتعرف إلى وجهة نظرهم ورؤيتهم للمنحوتات. وهو ما يشجعني على عدم بيع أعمالي، أبيع بعضها وأغلبه تماثيل من البرونز، ولكن يكون لدي نسخة منها.

*حدثنا عن تجربتك الفنية الطويلة والبدايات؟
كانت زيارة المتحف المصري في الثامنة من عمري لها عظيم الأثر في تأثري بالفن المصري القديم، حيث وجدت نفسي وكأنني ارتبطت بهذا التراث ارتباطاً أبدياً، فإذا بي إزاء واقع يفرض نفسه علي، واقع يبوح لي بأنه موجود وكبير وبأني أمامه صغير. وبعد مرور أيام وجدت قطعة من الصلصال في محترف المدرسة فأخذتها وأعددت بورتريه لإخناتون، وعرضته على أبي الذي كان يعمل صائغاً ففرح به كثيراً ووضعه في واجهة المحل.

*برأيك هل هناك وجه اختلاف بين المتلقي الفرنسي أو الغربي بوجه عام والمتلقي العربي لأعمالك؟
-عندما ذهبت إلى باريس كان الفرنسيون يقولون إنه شغل مصري، والمصريون كانوا يقولون إنه أصبح شغل خواجة، وأنا أنفذ ما أريده ولا أهتم بشكله وكيفية تلقيه، كما أنني لا أحب أن أقدم أعمالي في جاليري، فهو إحساس غريب وغير مألوف أن تقدمي عملاً وأن تجدي الناس يطرحون عليك أسئلة ثم يأخذون في مقارنة عملك مع أعمال أناس آخرين. إنه شيء مؤذ، غير طبيعي وقسري، كأنك موجودة لكي تحاكَمي. وأنا لا أزاول الفن من أجل هذا، فعندما أعمل، أكون أحلم، أحقق أحلامي، أكتشف.. وهذا هو الفعل الحقيقي للفنان وهو الفعل الأكثر جمالاً لدى إتمامه.

* يمكننا القول إنك لم تترك مادة أو خامة إلا واستخدمتها، فمن الحجر والجرانيت إلى البرونز والجص والجبس، وبالرغم من صلابتها إلا أنك تشعر المتلقي بانسيابيتها، فما سر ذلك؟
-الحجر بالنسبة لي يمثل لغزاً مليئاً بالأسرار أحاول من خلال العمل معه على تفكيك تلك الأسرار، ربما اخترت العمل على مثل هذا العدد من المواد كي أكتشف كينونتها أو الاستراحة من ألغاز الحجر. كنت أشتغل في المعتاد ما يقرب من 15 ساعة يومياً، وكانت هذه طريقتي للتخلص من هذا الشعور. لكنني لا أفضل خامة على أخرى.

*بالنسبة لتقدم حركة النحت، هل هناك ثقافة جماهيرية تقابلها وتتذوقها؟
-النحت من الفنون الراقية التي يكون جمهورها محدود العدد، وهي تنتشر ولكن في نطاق ضيق، فهي ليست كالغناء والموسيقى، بالإضافة إلى أنها لا توفر معيشة سهلة، ولكنها تنتشر في سياق يحدده الوضع السياسي والاجتماعي، وهو ما يحدد شكل الثقافة الجماهيرية واتجاهها، فهناك أناس تتجر بالدين وغيرهم.. وكل ذلك عابر وليس له أرض صلبة يستند عليها، ولذا فهي لا تمثل خطراً على التذوق الفني.

* من وجهة نظرك، هل شكلت التكنولوجيا الجديدة والتقنيات الحديثة عائقاً بين الفنان والمتلقي أو أثرت على المتلقي بشكل سلبي؟
-نحن نعيش عصر العولمة والتكنولوجيا، وهي موجودة شئنا أم أبينا، ولكن المشكلة هي الشكل الذي نستقبلها به ونظرتنا لها، وهي تختلف بالتأكيد عن الفرنسي والأمريكي وغيرهم، وينبغي على الفنان استخدامها بشكل صحيح وتسخيرها لمصلحة العمل الفني، وأعتقد أننا نضع أقدامنا على أرض صلبة لأن حضارتنا وثقافتنا مختلفة عنهم. وعلى أية حال، لا يجب أن نقف أمام التكنولوجيا ونعاديها وإنما نتعامل معها بروحنا ونتبع إحساسنا. أعترف أنها فعلاً أثرت وأبهرت الكثيرين ولكنها أبهرت الضعفاء وليس كل الفنانين، فهي مغرية لغرابتها ولكن علينا الحذر من الوقوع في هذا الفخ. على الفنان أن يعي جيداً من هو، وما هي بلده؟، وأن يعمل من مخزونه الثقافي ويرفض ما يتعارض معه، ويبتعد عن الفردية ويتعاون مع غيره لكي يتطور وينضج.

*هل ينتابك القلق حول مصير فن النحت بعد ظهور (الدواعش) وتدميرهم للآثار والتماثيل؟
-لا. إنهم ظاهرة لن تستمر، لأن فن النحت أكثر من مجرد فن، إنه تعبير حقيقي عن وجود الإنسان، وعلى مدار التاريخ شاهدنا بين الحين والآخر جماعات تدعو إلى تحريم الفن والتماثيل، لكنها لم تستمر.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة