الأخبار العاجلة

خنق حرية الكلمة في إيران.. في الصمت تكمن جرثومة الموت

الكتابة كشأن خطير.. وضع الكتّاب في إيران

أمير حسن جهل تن
ترجمة: حسين الموزاني*

أصبحت الكتابة في إيران أمرا مستحيلا تقريبا، وبات التاريخ الإيراني حافلا باضطهاد الكُتّاب وتصفيتهم. والمفارقة أن إيران ترغب في أن تكون ضيف الشرف على معرض فرانكفورت الدولي للكتاب في ألمانيا عام ألفين وثمانية عشر. الروائي الإيراني أمير حسن جهل يُسلَّط الضوء من وجهة نظره حول «مِحَن الكُتّاب والمصائب التي حلَّت عليهم» في إيران.
وفي هذا المناخ المخالف للمنطق، فإنّ الكاتب الإيراني يعاقب نفسه بسبب كتابته ويعمل على تدمير ذاته. وأصبح البعض مدمنين على المخدرات وذهب البعض الآخر إلى المنفى، الأمر الذي يساعد بالطبع على التدمير الذاتي. أمّا أولئك الذين يفضلون البقاء فإنّ عليهم الخضوع إلى رقابة صارمة.
وحقيقة الأمر هي كالتالي: هناك وزارة أسست في إيران تقوم مهمتها الرئيسية على مراقبة ما يكتب الكتّاب وما ينتج السينمائيون وما ينجز الرسّامون والفنّانون عموما.
يقول أمير حسن جهل تن: «يعيش الكتّاب الإيرانيون في مطلع القرن الحادي والعشرين حقبة سيُقَّدم فيها جلال الدين الرومي، وهو أكبر شاعر كلاسيكي في إيران، أو ربّما في العالم برمته، سيقدم إلى المحكمة بتهمة الفسق والفجور».

التربية عبر الرقابة
لا يسمح بنشر أي نصّ في إيران إلا بعد موافقة مسبقة من قبل السلطات المعنية. وتسلّط الأنظار على الرواية الفارسية بالأخص دون الأجناس الأدبية الأخرى. وربّت الرقابة مؤلفيّ الروايات الإيرانيين على الكتابة في الأماكن المغلقة داخل البيت فقط. ولا يستطيع أحد الاقتراب من النافذة والنظر إلى الشارع، كما لو أنّه ليس هناك شارع ولا مدينة ولا ضجيج، بل ليس هناك وجود حتّى للجيران. ويقتصر مضمون الرواية على المطبخ وغرفة الجلوس، فكما يقال، ليس هناك حاجة للمرحاض والحمّام وغرفة النوم في بيت الرواية. ولا يحقّ للرواية أن تتحدث عما يحدث في هذه الأجزاء من الدار. وحياة الناس في الرواية الإيرانية عبارة عن أكذوبة كبرى وتشويه للحقيقة.
وهنا يطرح سؤال حول حدود حريّة كتابة الرواية، وللإجابة عن هذا السؤال يمكن طرح سؤال آخر: إلى أين تتجه حريّة الخيال؟ ولماذا لا يكون الناس أحرارا في تدوين تصوراتهم وعالم مشاعرهم على الورق؟ فتضييق مجال الخيال غير المحدود يؤدي إلى الصمت، وفي الصمت تكمن جرثومة الموت.
لقد سُلِبت الإجراءات الثقافية السياسية الجمالية الأخلاقية من رواياتنا. وتمّت المساواة بين المعايير الأخلاقية في الرواية والمعايير الأخلاقية للرأي العام في الشارع والمتنزه والحافلة، وذلك عبر مناورة تضليل وتمويه كبرى. وأولئك الذين يفرضون علينا الرقابة لم يقرؤوا الأدب الفارسي الكلاسيكي ولم يطلعوا على روحه قطّ. فهذا الأدب يتحدث في كلّ مكان عن النبيذ والمعشوقين من الرجال. وتقول قصّة النبي يوسف في بعض المصادر الفارسية بأن زليخة زوجة عزيز مصر كانت مستلقية على الأرض عندما نادت على يوسف، فجلس بين ساقيها ومدّ يده على زنّارها، أو عندما جلب إخوة يوسف غير الأشقاء بنيامين إلى يوسف، أمضى يوسف وبنيامين الليل نائمين في فراش واحد وكان يوسف يحضن بنيامين ويتشمم عطره. وإذا ما وصف كاتب إيراني في روايته هذه المشاهد في ظل الوضع الحالي أو وصف مثلا رجلا يلامس امرأة فسترفع عليه دعوى قضائية بتهمة الفجور، ثمّ يحذف المقطع المعني من النصّ. والرقابة في إيران تعني أنّ الأعمال الأدبية المهمة والبالغة الدلالة بالذات تخضع بشدّة لهذه الرقابة كلّما اقتربت من حقيقة الحياة.

قمع للمدونين وأحكام إعدام في حق النشطاء السياسيين في إيران:
حكمت محكمة ثورية في طهران في مستهل أيلول/ سبتمبر 2014 على سهيل عربي بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وذلك بتهمة «الدعاية ضد النظام» و»إهانة الزعيم الديني»: «لابدّ من إلقاء نظرة على بعض المحن التي واجهت الكتّاب الإيرانيين في العقود الثلاثة الماضية لتوضيح حجم الاضطهاد الذي يعانون منه. فقد اعتقل أحد الشعراء في ليلة زفافه وسلّم إلى فرقة الإعدام. وعُثر على مترجم مرموق في طرف المدينة وبانت على ساعده آثار حقن. ودبّرت مؤامرة فاشلة لقلب حافلة كانت تقلّ واحدا وعشرين كاتبا كانوا في طريقهم إلى فعّالية ثقافية في بلد مجاور في هوّة سحيقة. واختطف كاتب كان في طريقه إلى السوق ورميت جثته بعد ساعة في إحدى ضواحي المدينة. والقائمة تطول. نعم، فالكتابة أضحت شأنا خطيرا، ويعلم بذلك جميع الذين يعملون في مجال الكتابة ببلدي»، كما يقول الروائي الإيراني أمير حسن جهل تن.
وإيران لم تطبّق قانون حماية الملكية الشخصية، ولم تنضم إلى معاهدة برن، ومع ذلك فإنها تريد أن تُدعى إلى معرض الكتاب بفرانكفورت باعتبارها ضيف شرف؟ بالتأكيد أنّ من شأن انضمام إيران إلى معاهدة برن وضع حدّ للترجمات الطائشة للروايات الأجنبية. لكن كيف سيكون تأثير ذلك على حرية انتشار الروايات الإيرانية وغيرها من الأعمال الأدبية؟
يكتب الروائي الإيراني أمير حسن جهل تن: «من المؤكّد أنّ الرقابة تقوم على فكرة أنّ الكلمات تمتلك القوّة لتغيير الحكومة. بيد أنّ معظم علماء الاجتماع مقتنعون بأنّ حريّة الكلمة تحمي الحكومات من السقوط بفعل الانتفاضات والثورات. وإذا لم تكن الكلمة حرّة، فليس هناك معيار تختبر به الحكومة إنجازاتها، فتتوقف الإصلاحات ثمّ ينغلق المجتمع على نفسه شيئا فشيئا. وبهذا المعنى فإنّ أبسط عاقبة للرقابة وهذه بحدّ ذاتها سيئة على نحو كاف تكمن في إجبار الناس على العيش حياة ازدواجية وتشجّع على النفاق وتصنع للناس وجهين متباينين».
وحقوق الملكية الشخصية في التأليف والنشر لا أهمية لها في إيران. ولا يقتصر ذلك على أعمال كاتب مثلي، ينغّص على السلطات، بل يشمل المؤلفين الأجانب. فهم يفعلون بهذه الأعمال ما يشاؤون، فتمحى جميع الإيحاءات الجنسية، الإيروسية، التي تشكّل جزءا مهما من الرواية الحديثة. ويتعلّق ذلك بطبيعة الاتفاق بين موظفيّ الدولة ومترجم العمل، وبما يسمح لمقصّ الرقيب في التوغل في لحم العمل الأدبي. والمؤلف الأجنبي لا يعلم في جميع الأحوال شيئا مما يحدث هناك.
وبالنظر إلى انعدام وجود الأحزاب الحرّة والمستقلة أو غيرها من التنظيمات السياسية، فإنّ المثقفين والفنّانين يقفون في الصفّ الأوّل من المعارضة مجبرين، أو أنّهم قد ألقي بهم عمليا في هذا الموقع. وفي ظلّ هذه الظروف التي لا يستطيعون فيها نشر أفكارهم للتأثير على مجرى الأحداث نرى الرقابة تقطع عنهم الطريق فجأة وتحول دون نشر آرائهم. وتتعامل الرقابة مع الكتب وكأنّها تضع صحن حساء تحت المجهر بحثا عن الميكروبات.

نُخَب أم ثقافة بوب؟
السياسة الثقافية في إيران نجحت على أيّ حال في إقصاء نخب المجتمع على الدوام. فنرى أنّ حوالي مليون شخص شاركوا في تشييع جنازة نجم بوب كان يحظى بإعجاب الجميع، وتم إبعاد النخب من وسط المجتمع. فنشرت السلطات الثقافية رسالة تعزية في هذه المناسبة، لكن إذا ما توفّي كاتب أو فنّان مستقل فلا يبثّ التلفزيون الرسمي حتى خبرا قصيرا عن الوفاة. وهكذا فسح المجال واسعا أمام المصارعين ومشاهير التلفزيون ونجوم موسيقى البوب بفعل سياسية الإقصاء والرقابة المسلطة على الكتّاب والفنانين.
وحتّى كلمة الرقابة نفسها خضعت بدورها إلى الرقابة، فلم يسمح لأيّ جريدة بأنّ تذكر هذا المصطلح ولوقت قريب. وتستخدم السلطات المختصة عبارة تعني «التفريق بين الخير والشر»، وبمعنى أنّ موظفي الرقابة هم أشخاص يفصلون بين الخير والشرّ. ووجد مصطلح الرقابة طريقة إلى وسائل الإعلام الحكومية بعدما تعهّد الرئيس حسن روحاني في حملته الانتخابية بإلغاء الرقابة، بيد أنّه لم ينفّذ تعهده هذا حتّى الآن. وكذلك لم يتم الاعتراف بجمعية الكتّاب في إيران، ومازال نشاطها محظورا.

*عن مجلة فكر وفن

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة