التفكك العربي يغتال حلم النهضة الحضارية

إسماعيل زاير

لم يكن تفككاً ما يمكن ان نصف به ما حصل في العالم العربي .. كان اكثر من ذلك وبوسعنا ان نقول انه اهتراء. انه اهتراء للنسيج الأجتماعي والإنساني . اهتراء مس النسيج الدقيق للعالم العربي الذي خرج من الحرب الكونية الثانية ممزقاً وتائهاً . كل ما يتذكره الكتّاب العرب هو ان سايكس بيكو القت بظلالها على المنطقة التي كان لها دور مركزي في تحديد مصائر المتحاربين وشركائهم . ولم يكن للشركاء حظ كبير او ايجابي في خطط المنتصرين الذين فضلوا تقسيم العالم العربي الى اجزاء توزعها الفرنسيون والبريطانيون في حين منح الأميركان هؤلاء الحق في تحديد حصص كل منهما .
العثمانيون الذين تعاونوا مع النازية قبلوا شروط اللعبة وتخلوا عن نثار الإمبراطورية العجوز وتخلوا ايضاً عن الخلافة الإسلامية التي حكموا على اساسها الممالك التي كنا جزءاً منها . ومثلما حصل مع العثمانيين تحول التيار السائد في السياسة العربية الى معالجة فكرة وحدتهم على خطى اتاتورك . وكان كمال اتاتورك مصراً على ان تدير تركيا لماضيها المشرقي وتلتحق بالغرب ، وهو الامر الذي انعكس على فعالية النخب العربية الغاضبة من تنكر الحلفاء للوعود التي قطعوها للشرق العربي .
الموجة الإيديولوجية التي افرزتها الحرب العالمية الثانية انجبت نظائرها وهي الشيوعية المندفعة بالنصر السوفياتي من جهة ومخلفات ايديولوجية نازية تعتمد على التركيز على الوحدة القومية للعرب على الطريقة النازية . هكذا تأسس حزب البعث العربي الإشتراكي ونشأت تنظيمات مماثلة كالكتائب اللبنانية وحركة الضباط المصريين الذين نجحوا في الإستيلاء على السلطة السياسية بعد اقل من عقد على اندحار النازيين . ورسمت المساعي اللاحقة مصائر العالم العربي الذي انخرط فاعلاً ومؤثراً بعد الحرب العالمية لبناء كيانات سياسية او دول تحمل في احشائها اجنة المغامرين من اولئك الايدولوجيين الذين انقسموا شطرين احدهما يحتمي بقوة المنتصرين في العالم الجديد فنمت احزاب الشيوعية معتمدة على التعاطف العالمي مع اكبر قوة غير غربية اسهمت في هزيمة الفكر والحكم النازيين . يمكن ان نقارن المد الشيوعي وشعبيته المرتكزة على قوة الحلف الشيوعي الذي تعملق واسس الكتلة السوفيتية الصاعدة والتي اعطت لشعوب المنطقة ونخبها قوة بين النخب المحلية تماماً كما نشأت مثيلاتها في ايطاليا وفرنسا وغيرها من البلدان .
ولكن بموازاة تلك الموجة نشأت قوة كبيرة من خلال القطب الذي تمسك ببقاء الدول العربية تحت خيمة الفكر العثماني والخلافة الإسلامية وهذه القوة هي «حركة الإخوان المسلمين».
وتمحورت اعمال وزخم التنظيمات على محاربة تسلط الدول الغربية على مقدرات الدول التي تأسست وتشكلت بعيد الحرب . ولكن الوصف الحقيقي لما كانت عليه احوال المنطقة هو انها لم تكن متينة وغير مفككة . كان النضال السياسي يرتكز على تحرير الدول العربية من استعمار قاس ومسيطر وغير آبه بمشاعر ومطالب الشعوب العربية . ولكن عنصراً كونياً برز في اعقاب النهاية العسكرية للنازية هو الإستقطاب العالمي بين معسكرين . فالمشكلات التي افرزتها الحرب على الصعيد العالمي افرزت تبايناً وتناقضاً بين المعسكر الغربي بقيادة الولايات المتحدة و «المعسكر الإشتراكي « بقيادة الإتحاد السوفييتي . وبمعزل عن خلفيات ذلك الإستقطاب في المجال الغربي الذي اخذ شكلاً متزايد الحدة افضى الى تأسيس حلفي شمال الأطلسي « ناتو « من جهة وحلف « وارشو « من جهة اخرى .
وسرعان ما انغمرت منطقتنا في النزاع ما بين المعسكرين في مناخ من الغضب الشعبي من خيانة الغرب لمطالب شعوب الشرق ، بل اقدام المستعمرين على خلق تناقضين اضافيين في العالم العربي دفعا العواصم العربية الى واحد من ذينك الخيارين . اولهما غرس الوجود الصهيوني في قلب العالم العربي والذهاب الى ابعد من ذلك اقدام الغرب بمشاركة اسرائيل في العدوان على مصر عام 1956 في حرب السويس . اما الثاني فكان اكتشاف النفط في مناطق الخليج الشاسعة والمحافظة بزعاماتها القبلية والرجعية ، وهذا ما افضى الى تعميق النزاع مع الغرب اولاً وانشطار العالم العربي الى كتلتين سياسيتين متعارضتين . وخلال تلك السنوات استقطبت المواقف الغربية العرب بإتجاهين : اولهما اتجاه قاده الإنقلابيون العرب المصطفين خلف راية الناصرية . هكذا برز العراق وبرزت سوريا وبرزت الجزائر كدول تعلقت بعودة الوحدة العربية كهدف الى جانب الدعوة الى تأسيس اقتصاد مستقل عن المركز الغربي والعمل على تجسيد القوة الشعبية العربية من خلال تيار السيادة والإستقلال . اما الإتجاه الثاني فكان التكتل الخليجي بزعامة ازداد غناها مع النفط وشعرت بالتهديد العميق من نزعات العسكر الإنقلابيين في الدعوة بالإطاحة بالمشايخ والامارات الخليجية المحافظة واليمينية والمنحازة الى المعسكر الغربي .
وخلال العقود التي تلت الستينيات كان واضحاً سطوة المجموعات التحررية بالصيغة التي فهمها العسكريون العرب والمتحالفون مع الشيوعيين الذين عمقوا وجودهم بعد سنوات طويلة من النضال ضد حكومات الإستعمار . الأمر الذي سرع من اندماج النشاط السياسي والحكومي لدول الخليج واتباعهم هنا وهناك مع المركز الغربي الذي انتزعت واشنطن قيادته في نهاية المطاف . ولكن الحقيقة الراسخة والمؤسفة هي ان العالم العربي دخل بوابة الحرب الباردة من اوسع ابوابها وكما انقسم العالم الى معسكرين فقد انعكس ذلك علينا بالطريقة نفسها فأنقسم عالمنا الى طائفتين اولاهما مؤيدة للمعسكر الشرقي ضمت مصر والعراق وسوريا والجزائر واليمن في زمن الجمهورية الاول فيما ضمت الكتلة الثانية المملكة السعودية والدول الخليجية ومعها المغرب . ولا يمكننا النظر الى تأريخ ما حصل من دون حساب الأثر الكبير لهذا الإستقطاب على مجمل ما حدث . وفي قلب هذا الإنقسام اتخذت حركة الاخوان المسلمين موقعها مع القسم المؤيد لأميركا فيما تراصف الشيوعيون والقوميون وراء الحكومات الإنقلابية بالتحالف مع الإتحاد السوفييتي .
***
هكذا بدأ التفكك العربي وهو تفكك تسارع او تناقص بالتناسب مع حركة الحرب الباردة . وعند انتصار المعسكر الغربي على الكتلة السوفيتية تفاقم التدهور العربي الذي تجنب ، برغم التحولات الجديدة ما بعد عام 1988 وما افرزته من انتشار الإصلاح الشامل في الغرب والشرق ، الانتقال الى بعض المرونة الداخلية في انظمة الحكم او تخفيف التعسف غير المحتمل من قبل الأنظمة الأمنية . والحقيقة ان التناقض في وجهات السياسات العامة لكلتا الكتلتين لم يمنع التشابه او الإنسجام في السياسات القمعية بينهما . وحيث يجري التخفيف من اثر العسف الشاسع لجميع الانظمة الحاكمة في العالم العربي فتبدو عندها الحقائق ضائعة وصولاً الى تناسي الاثر المخرب لها على المجتمع . او تناسيها وتبريرها في احيان اخرى .
لقد افضت سياسة التعسف الى توطيد استقرار امني شكلي يخفي ما شكلته السجون الممتلئه بسجناء الرأي والكتاب والمثقفين والجيل الجديد . وهذا بدوره انتهى الى القضاء على الخيط الرفيع للتقدم والتراكم الأنساني والإجتماعي . وفيما تضخمت اجهزة الامن والمخابرات تناقصت وتقلصت مساحة التفكير العام وسط سياسات تعتيم منهجي وطويل الامد ادى الى اضعاف وتجويع المجتمع انسانياً وفكرياً ، وادى الى خلق كائنات ممتثلة لا هم لها سوى المحافظة على حياتها وارزاقها او الإنتقال الى المنافي المختلفة التي اسهمت بسبب سياسة الدول الغربية الى سحق الروح الحية او التي بالكاد حية لدى المثقفين .
ومع تواصل سيطرة الانظمة العسكرية الإنقلابية وسلطات دول الخليج تهاوت الآمال واندثرت التيارات المتفاعلة للفكر والفن والثقافة وفي بعض الدول التي نشأت فيها مؤسسات واعدة في الفكر والفن تضاءلت الأدوار وجفت المنابع المالية قبل ان تغادرنا مشهرة افلاسها . وفي الحقيقة لم يكن التناغم العام بين دول المحور الرجعي راجعاً لدور الدول الغربية وواشنطن بالدرجة الاولى مانعاً في ان تتبنى الكتلة السوفيتية الدور نفسه او تلون ادوارها برطانة تقديمية ملفقة علنية ولكنها تغاضت عن القمع والقتل والتشريد . بل ان العواصم الاشتراكية دربت وساعدت اجهزة القمع في الدول العربية بالمعدات وادوات التعذيب والتجسس على المواطنين .
بل انها تدخلت في اكثر من بلد في شؤونها الداخلية من خلال الوشايات المخابراتية التي ساعدت مخابرات تلك العواصم على القضاء على اولئك المعاضين للفجور السوفيتي . هذا حصل في العراق وافغانستات وسوريا وغيرها . والتمعن في السياسات المتبعة لأجهزة المخابرات السوفيتية يوضح انها لم تكن تختلف كثيراً عن مثيلتها في الغرب . كما ان الدول العربية « التقدمية « بالقياس السوفيتي قلدت في ممارستها المخابراتية الداخلية ما صنعته الكي جي بي في البلدان التي تحت يديها .
بإختصار اندمجت الكتل في مواجهات اجرامية خسرت فيها شعوبنا الاف المناضلين كما اسهمت الكتلتان في دور متنام لإغراق المنطقة في حال احباط كبير للنفوس . ومع هزيمة الاتحاد السوفييتي جرى تشييع الآمال التقدمية الحقيقية وبدا ان مشروع النهضة الحضارية التي كانت حلم ملايين الشباب المتنور قد قبر . وشمل التخريب المقاومة الإنسانية والشعبية للمشروع الصهيوني المتغطرس والممول من واشنطن فغابت المقاومة الفلسطية وادغمت في اهاب غامض غير متوازن لما وصف بإنه عماية سلام وتدريجياً تقلص نفوذها ودورعهما ومكانها حتى ان زعيم الثورة الفلسطينية عاش محاصراً مهموماً في قطعة ارض محاصرة في فلسطين وانتهى مصيره بالغدر المميت المعروف.
***
في العراق كما في بقية المنطقة ادى تثبيت اقدام البعث الفاشي وسمح له ان يسرح ويمرح ويتمادى في سياسات القتل والتخريب والتهجير الداخلي خلال صمت شامل من قبل موسكو وواشنطن على قدم سواء . وافضت سياساته الى تدمير النسيج الإجتماعي للشعب العراقي والى تمزيق جسد الشعب الكردي بالحرب المستمرة او بإستعمال رهيب للأسلحة المحرمة الكيمياوية .
ولعل القسوة المفرطة والصمت الربي الذي رافق سياسات صدام هي السبب في الهوة الشاسعة بين العراقيين ولا سيما مع الشعب الكردي . ومعروف ان هذه القسوة لم تقتصر على الاكراد بل شملت كل من خالفه من ابناء الطوائف الاخرى . وبعد ثلاثة عشر عاماً على سقوط النظام الدكتاتوري عام نجد ان البيئة العربية لم تبرأ من الصدامية الغاشمة بل ان المناخ العربي العام يناهض العهد العراقي بكل الوسائل بما في ذلك تمويل وتنظيم القاعدة ومقاتليها ومن بعدها للدواعش . ولعلنا لا نخطئ القول ان المرتكزات الدينية لداعش والقاعدة لم ترفض وامتنع العلماء السنة عن رفض داعش او تكفيرها . واليوم تغرق المملكة العربية السعودية المنطقة بالمزيد من التشويش عندما تستعمل خطاباً تكفيرياً متطابقاً مع خطاب صدام اثناء شن حروبه المدمرة على المنطقة . والحقيقة لو ان صدام امتنع عن غزو الكويت وابدى القليل من المرونة مع ملف الدمار الشامل لكان حكمه الدموي قائماً حتى هذه اللحظة . لهذا فالضحية الحقيقية لهذه السياسات ما زال المواطن العربي ذاته .
ان الإنقسامات الحاصلة في المجتمع العربي اليوم ادت الى تفشي التفكك الداخلي في كل مجتمع او دولة كما هو الامر بين دولة ودولة اخرى وبين طائفة وطائفة اخرى وبين قومية وقومية اخرى .. ووقع بينهما من القتل والدماء والضلال والبغضاء ما يمنع اي امكانية ان نتبنى مشاريع تطوير وتعاون او حتى الحوار .. وافضل مثال على ذلك صعود داعش وغيرها من المنظمات السياسية الدينية . وهذا الانقسام لم يعد موصوفاً بأنه تفكك بل انه اهتراء شامل لن تنهض منه شعوبنا سريعاً . وهذا امر يسهل على كل اعداء التقدم الاجتماعي والسلام والاستقرار تنفيذ مخططاتهم وفي مقدمتهم اسـرائيل.

*رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة