حج وكافتريا وصفقات

كما غير القليل من جلسات مجلس النواب العراقي، فقد آل مصير جلسته الاخيرة ليوم الثلاثاء 6/9/2016 للتأجيل بسبب من عدم اكتمال النصاب. والسبب هذه المرة يقف وراءه مكانان هما بيت الله الحرام (مكة) التي تجذب كل عام العشرات من البرلمانيين العراقيين، وكافتريا البرلمان التي اكتسبت وظائف اخرى لا علاقة لها بوظيفتها الاصلية، حيث اعتصم بعروتها قسم آخر من البرلمانيين. لقد خيب “ممثلو الشعب” آخر ما تبقى من آمال لدى العراقيين بهذه المؤسسة التشريعية والرقابية الاولى (البرلمان) بمثل هذه الممارسات والسلوكيات البعيدة كل البعد عما عرفته الامم الحرة والدول الحديثة عن سلطتها الاولى التي يولد من رحمها بقية السلطات والتشريعات المسؤولة عن ازدهار البلدان أو انحطاطها. الحج والكافتريا عطلا عمل البرلمان وركلا ما تراكم من مشاريع القوانين والقرارات الضرورية لديمومة حياة المجتمع والدولة الى وقت آخر بعد عطلة العيد غير القصيرة. لسنا بصدد الخوض بمعنى ومغزى هذا الركن من العبادات (الحج) ولا انعكاساته الفعلية على المدمنين عليه سنوياً من المنتسبين لنادي البرلمان، من حيث التقوى الحقيقية ومعيارها الذي اختصرته عبارة الامام علي (الصلاة عادة والصوم جلادة معاملة الناس هي العبادة) وغيرها الكثير من العبارات والوصايا المتناغمة وفطرة الانسان غير الممسوخة. لكن ما يهمنا هو كل هذا العبث واللامسؤولية التي ميزت سلوك المؤسسة الاشد فتكاً في تقرير ورسم مصير هذا الوطن الذي انتظر طويلا تحقق حلمه في امتلاك مؤسسات ديمقراطية ودولة حديثة، ذلك الحلم المشروع الذي فرطت به هذه الطبقة السياسية واتباعها فيما يفترض انه مجلس لممثلي الشعب (البرلمان).
البعض من وسائل الاعلام القت باللوم في عدم اكتمال النصاب؛ على الصفقات التي عقدتها حيتان العملية السياسية لاجل حماية أحد أهم رموز كابينات حقبة ما بعد الفتح الديمقراطي المبين، أي السيد هوشيار زيباري وزير المالية الحالي؛ من خطر الاقالة بعد ان صوتت غالبية البرلمان على عدم القناعة باجوبته في الاستجواب الاخير، برغم ان موضوع اقالته لم يكن مدرجاً في جدول اعمال تلك الجلسة المجهضة اصلاً. موضوع الصفقات ليس بالامر الجديد لا في العمل السياسي وحسب بل هو جزء طبيعي في حياة الافراد والجماعات؛ لكن المهم فيها (الصفقات) لمصلحة من تعقد وما تأثيرها على المصالح العليا للوطن والناس؟
عبر المساومات والتسويات الشجاعة والعادلة توصلت المجتمعات الى ما نشاهده اليوم من اشكال متنوعة ومتعددة للحكم وادارة شؤون ومصالح الافراد والجماعات. لكن صفقات الطبقة السياسية وواجهاتها وكتلها التي تلقفت زمام الامور بعد زوال النظام المباد، لم ينضح عنها غير المزيد من التشرذم واهدار الطاقات والامكانات والثروات. هذا النوع من التسويات والصفقات تلحق ابلغ الضرر بحاضر ومستقبل العراق بجميع شعوبه ومكوناته من دون استثناء، صفقات تقبع في قعر اولوياتها المصالح الحيوية لسكانه في العيش الحر والكريم، حيث تتصدر مكتسبات وامتيازات عدد محدود من الافراد واسرهم وبطاناتهم سنامها الاعلى. ومع مثل هذه الاولويات والاهتمامات المهيمنة، لا يمكن لنا غير الانضمام لطابور انتظار البرابرة الطويل..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة