لماذا يولع المستبدون بالمقامرة حتى ببلدانهم؟ وماذا قال ارسطو عن الشخصية المقامرة؟

لا اتنازل عن حقي في احتقار نظام صدام حسين وكل انظمة القمع وتحريم الحريات على الارض. وبوجيز الكلام عدّ وصفة حكم صدام مناسبة لدولة تريد ان تستقيل من الخارطة في نهاية المطاف، وأملك اسبابًا ومعطيات وفيرة مسجلة على ذلك النظام عن حروب كارثية وعن جلود محترقة ورصاص ملأ البطون وشقاء طال ملايين بحيث عدّ هذا الحق بمنزلة قضية حرية بامتياز.
لكني مقابل ذلك، لا أملك حق المطالبة بلجم الاراء المخالفة لرأيي هذا، بمن فيها آراء اولئك الذين كانوا منتفعين من النظام السابق، اذا كان الامر يتعلق بالتعبير السلمي عن الآراء، مع ان الوصفة الصدامية للحكم والفكر والممارسة لم تؤمن بسلمية التعبير عن الرأي بل ان التعبير عن الرأي عندها فاصلة في عقلية المؤامرة.. اصحاب هتلر حتى الان «يمشون بطولهم» في المانيا، وانصار بينوشيت عملوا اوائل هذا العام احتفالا بعيد ميلاده، وثمة جمعية شكلت في اميركا باسم كاليغولا، وحتى في جنووب افريقيا فان مانديلا اصر على ابقاء على حق تبجيل صور وجداريات حكام التمييز العنصري السابقين، وكلها فعاليات سلمية قبلتها المجتمعات المناهضة لأصحابها. اما الاراء التي ينطلق اصحابها من مقارنات جزئية بين نظام صدام ونظام مرحلة السقوط فهم اولى بالمناقشة..
هذه قضية رأي من القضايا ذات العلاقة بحرية التعبير المكفولة بالقوانين والمعاهدات الدولية، وهي تتوقف فقط حيال دعوات الكراهية والعنف والارهاب والحرب والتجييش والعنصرية.
فاذا لم تكن هناك خطايا بمصاف الجرائم لصدام حسين فان خطيئته بالمقامرة في مصير البلاد بشن ثلاث حروب كارثية تكفي ليكون في صف طغاة التاريخ، وسيكون اشهرهم اذا ما اضيف لهذه الخطايا القائمة الطويلة من اسماء العراقيين، من شتى الشرائح التي انتزعت حياتهم على يد جلاديه وفرق الاعدام التي نشرها في طول البلاد وعرضها.
****************
ومنذ حين تتحدث دراسات ومراجعات عن «نزعة المقامرة» عند صدام حسين، كما تكشف مذكرات العديد من شركاء صدام في الحزب والحكم عن «مركب» المغامرة والغطرسة الذي يهيمن على سلوك هذا الطاغية، ويثير هؤلاء اسئلة محيرة وتفسيرات متضاربة لاسباب ولع صدام حسين بالتقامر في مجال شن الحروب، وربما نحتاج الى البحث في عمق التاريخ عن هذا الولع وتجلياته في المأثورات والروايات والمدونات المختلفة، فقد تصدى لهذا الولع ابو التاريخ هيرودوتس وثمة تأشيرات للمقامرة والقمار في آثار الفراعنة والفرس والصينيين القدماء والبابليين والاغريق حتى حروب الاندلس، وقد استخدمت «المقامرة» في القرن الرابع عشر كعلاج للمرض العقلي الذي أصيب به ملك فرنسا شارل السادس، لكن ارسطو صنف المقامرين في كتابه (الاخلاق) في طبقة اللصوص وقطاع الطرق، ولم يسقط هذا التصنيف بمرور الفين وخمسمائة عام.
**********
على انه في غالبية التوصيفات الموضوعية التي تطلق على صدام حسين هناك تحذير من الخلط بين المقامرة والمغامرة، بالمقامرة حماقة فيما المغامرة تعجّل في حساب موازين المعركة، ومن زاوية فان المقامرة طيش يلحق باصحابه افدح الاضرار، فيما المغامرة تبدو كدهاء قد يجر الى نجاحات.. انهم اكتشفوا أميركا وأعلى قمة في هملايا وأسرار الفضاء والمجرات، وكسبوا معارك اسطورية ضد المستحيل فسهلت اكتشافاتهم ونجاحاتهم للبشرية الدخول الى عصر المنجزات الكبرى، فيما المقامرون لم ينفعوا ــ ان نجحوا ــ الا انفسهم ودائرة ضيقة من اتباعهم.
والمغامر في جزء من ملامح شخصيته فارس يسعى بصدق الى التحدي وكسب الرهان اعتمادا على ثقة مفرطة بالنفس، أو تواكل على الصدف والرغبة في قهرها، وهو يفيض احيانا بالتسامح أو بالكرم، خلاف المقامر الذي قال(ارسطو) عنه انه يكره حتى والديه ومهووس بكسب الرهان، فالانتصار هنا ليس مهّماً له بقدر ما يهمه مزاولة اذلال الخصم «الذي يصبح وهمياً في بعض الاحيان».
ليس من دون مغزى ان تنص قوانين الدول على منع مزاولة القمار على الفتيان دون سن الـ18 عاما، ويعيد العالم النفساني (بيرجلر) ذلك الى خطر وقوع المقامر الصغير لقمة سائغة للرغبة في تحطيم الذات و(الانتحار البطيء)، ويقال ان لعبة الروليت الدموية انتشرت أوّلاً بين فتيان في سن مبكرة قبل ان تصبح لعبة لمقامرين من عيار ثقيل.. لا يتورعون عن المقامرة حتى ببلدانهم.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة