الحدث الجانح وفقه الكلينكس

حسمت محكمة التمييز الاتحادية قضية الحدث النازح والذي أصدرت بحقه محكمة استئناف المثنى حكماً بالحبس لمدة عام؛ بالافراج عنه واعادته الى ذويه تحت شروط عليهم الالتزام بها للتعاطي مع ابنهم الجانح مستقبلاً. حكم منصف وعادل جمع بين نص القانون وروحه، وليس كما ادعى غير القليل من المتنطعين لمهنة القانون والقضاء، في الدفاع عن ذلك الحكم الاولي الذي اثار ضده الكثير من ردود الافعال الغاضبة. عندما ننبري للدفاع عن ذلك الحدث الجانح، فهذا لا يعني اننا نبرر او نشجع على السرقة والاعتداء على الملكية الخاصة او النيل والانتقاص من القضاء العراقي، كما اشاع ذلك البعض، بل القضية بعيدة كل البعد عن مثل تلك الحقوق المعروفة للجميع؛ لقد حاولنا ان نلفت اهتمام دراخة النصوص والتشريعات والبنود والاحكام، الى ان امر العدالة وكما هي كل قضايا البشر في حالة صيرورة مستمرة، وهي بنت زمانها وشروطها وهذا ما ادركه الخليفة الثاني عندما عطل نصاً سماوياً زمن المحنة والمجاعة (قطع يد السارق) وينبغي لمن تنطع لقضايا القضاء ادراك مثل هذه البديهيات التي ادركها اسلافنا قبل ولادة مونتسكيو (صاحب روح القوانين) باكثر من ألف عام. كما ان تلك الحادثة لا تصلح للمقارنة مع حادثة حدث آخر استشهد بعد تطوعه في فصائل الحشد الشعبي ولم تلق الاهتمام المطلوب كما كتب البعض عن ذلك معبراً عن امتعاضه الشديد للاهتمام الذي حظي به الطفل الجانح على حساب الطفل المتطوع في جبهات القتال؟! من دون الالتفات الى انهما ضحيتان لعبث واحد.
كثيراً ما يردد بيننا عبارات عن حاجة العراقيين للحكم الصارم والحازم، ولتأييد قناعاتهم هذه ينتشلون لك العديد من الامثلة والمعطيات لما آلت اليه الاوضاع بعد حقبة (الفوضى الخلاقة) ليرسخوا تلك القناعات عن؛ ان العراقيين لا يفهمون غير لغة القوة ؟! هكذا يتم طرح مثل هذه الامور المعقدة ومن دون وجع من عقل او ضمير. انهم لا يلتفتون لما خلفته سياسات القوة المفرطة تلك، عندما حولت شعوباً من اكثر شعوب المنطقة تطلعاً للحرية والعدل والابداع، الى حطام من البشر ووقوداً رخيصاً لحروب الآخرين على أراضيهم.
ما ينبغي استنباطه من سيول الكوارث والمحن التي حلت علينا، بعيد كل البعد عن مثل هذه الاجابات الضحلة، والتي تستمد حيويتها من عبارة الدمار الشامل القديمة والتي ترى في اقدم المستوطنات البشرية (ملاذا للشقاق والنفاق والفتن) من دون الالتفات الى ما دونته حفريات الجاحظ عنهم بوصفهم (اهل عقل وفطنة) في هذا التباين النوعي للمواقف من أهل العراق يمكن استشراف السبل المتفقة وحاجات العراقيين المشروعة للحاق بركب الامم التي وصلت لسن التكليف الحضاري.
ما يحتاجه العراقيون بعيد كل البعد عن اساليب العنف والقوة والتبعية لنصوص واحكام مفصولة عن روحها والغايات الفعلية التي وجدت من اجلها. هم بامس الحاجة الى تشريعات وممارسات وسلوكيات تضع نصب اعينها مهمة استردادهم لكرامتهم وحقوقهم في العيش الحر واللائق بهم كأسلاف للقوافل التي دونت للبشر باكورة التشريعات في الحقوق والواجبات. هي مهمة صعبة بكل تأكيد، ولاجل ادراكها علينا قطع شوط طويل ومرير، لكن غير ذلك سيورطنا بالمزيد من الهدر والاستنزاف على اخاديد البنود والفقرات والاحكام الشاحبة.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة