الإرهاب الثقافي.. إغتيال التجارب

مهند صلاح

كانت الوجهة العامة للتجارب الإبداعية و المواهب حتى عام 2004 متركزة نحو الإتحادات و النقابات و المؤسسات التي تمتد بجذورها كممثل عن هذه التجارب (كإتحاد الأدباء و نقابة الفنانين و نقابة الصحفيين) و غيرها، لكن ما حصل إن هنالك مجاميع و مؤسسات بدأت تتشكل بشكل موازي و تحاول تغيير الخارطة الثقافية.
و لهذا أسباب عدة منها ما هو حقيقي كعمليات الإقصاء و التهجير الفكري التي مارستها الإتحادات و النقابات بوجه العديد من المواهب و عدم إعطائهم الإهتمام أو المجال لإبراز تجاربهم، بالإضافة لسيطرة الفكر السياسي و التكتلات داخل كيان هذه المؤسسة أو تلك، و عدم تقبل أي فكر مغاير خارج إطار الخطط و المشاريع التي تسعى اليها الجهة الإدارية لهذه المؤسسات في الباطن أو الظاهر. كما إن من أسباب الإبتعاد عن المؤسسات (الأم) ما هو مزيف.
حيث شكل قسم من أصحاب التجارب الفاشلة مجاميع أرادوا من خلالها إخفاء العوق الفكري الذي رافق و لا يزال تجاربهم الهزيلة. و بين هذه و تلك تضيع أجيال بكاملها من المواهب الشابة و تتبعثر طموحاتهم للدرجة التي أوصلتهم الى عدم الثقة بكافة المؤسسات التي من المفترض أن تتبنى مشاريعهم. لقد تم إستثمار الحراك الواسع للأنشطة الثقافية داخل شارع المتنبي، و إستطاع (المركز الثقافي البغدادي) أن يحتضن نشاطات العديد من الروابط و المجاميع الثقافية التي إستحق العديد منها الثناء و التقدير لما قدمته للساحة من أفكار أضافت الكثير، و ضيقت الفجوة الحاصلة بين التجارب و المؤسسات، و أعادت الثقة بما تقدمه من منجزات. لكن هذه المجاميع هي الأخرى بدأت تنحرف شيئا فشيئا عبر إعطاء الأهمية لشخصيات فاشلة و صناعة أسماء لا تستحق الحجم و الدور الذي أخذته فيما بعد.
و بدأت هذه المجاميع أيضا تمارس عمليات الإقصاء للمواهب الشابة فقط لأنها ربما ستكشف الزيف الذي ينخر مفاصلها. أو لأنها تعتقد بأن هذه المواهب ستقوم بترحيل الدور الكارزمي الذي تنتحله دون أن تترك لها المساحة التي تستحقها في أداء الأدوار الملائمة.
و هي بهذا تمارس إرهابا فكريا لكل ما هو معلق في أفق المستقبل من تجارب و مشاريع، و تغتال الولادات التي سينتجها الرحم الثقافي قبل و لادتها.
إن كل هذا يتطلب منا أن نشير الى حقيقة لطالما تجاوزناها و هي إن أغلب ما يطرح في الساحة الثقافية لا يعبر عن مستوى الطموح، و إن جسد الثقافة أصبح مليئا بالنتوئات التي لا بد من تشذيبها كي لا تصل للحد الذي من الصعب عنده إتخاذ القرارات الملائمة.
و هذا لن يتم الا عبر بزوغ مؤسسات مبنية على أسس دقيقة و تقودها نخب حقيقية قادرة على صناعة واقع مغاير يكون فيه البقاء للأجدر و الأكثر إبداعا. فحل المشكلة لا يكمن في الوقوف عند أسبابها فقط، بل يجب أن يتحول الى مراحل التغيير و المعالجة. فما نشهده اليوم هو نتيجة لقراءاتنا الفاشلة و المجاملة، و التي بدورها صنعت من مجاميع و مؤسسات تدعي تمثيلها للثقافة.
مؤسسات تتبنى الإرهاب الفكري و تتعامل مع أي فعل إبداعي لا ينسجم مع ما تراه بشكل إقصائي و هجومي يتعارض تماما مع ما تدعو له في الظاهر من تبني الدور الحقيقي للشباب، و الوقوف الى جانبهم لتحقيق أفكارهم التي يطمحون لتحقيقها.. إننا بالتالي نكون المؤسسين الحقيقيين لهكذا نوع من الإرهاب. لأننا أهملنا دورنا كنخب ثقافية قادرة على توجيه الفعل الثقافي و تصحيح مساراته .
عبر تعطيل الدور الرقابي و القرائي الذي يجب أن نتبناه فطريا للتمييز بين الجيد و السيء. و إن هذا التعطيل جاء برغبتنا نحن و ليس برغبات غيرنا، و ذلك لإهمالنا الشديد للدور الذي يجب أن نسعى له للوصول بالعملية الثقافية الى البر الذي يكون فيه من الإستحالة أن تتلاعب بعض العقول بالمقدرات الإبداعية للمواهب الشابة، أو تمارس أي نوع من أنواع الإرهاب تجاه تجاربهم.
و بهذا نكون وفرنا الحماية الكافية لهذه التجارب من الأيادي التي من الممكن أن تغتالها أو تتلاعب بمستوى و حجم إبداعها. و إن الخطوة الأولى التي يجب إتخاذها هي مقاطعة هكذا مؤسسات و كشف الواقفين خلف ظلالها دون أي تردد أو لا مبالاة. و تشجيع المجاميع و المؤسسات التي نرى بأنها تستطيع أن تمسك بزمام الفعل الثقافي، و تقدم للساحة نتاجا يرتقي لتحقيق أهدافنا في الرقي بمجتمعاتنا التي أصبحت لا تثق بدور المثقف في تصحيح المسارات.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة