صناعة الدكتاتورية والعبيد

خلاصة بحثنا عن الحقيقة لسنوات؛ ينتابه إحساس غريب، وإساءة بعضنا للنصوص والشخوص؛ ما يجعلنا نُفكر ملياً بتناقض الظاهر والحقيقة، وخليط الحاضر والماضي، والجاني والضحية، وبرغم تطلعنا وسعينا لحياة الرفاهية؛ إلاّ أن عجلة واقعنا لم تتغير جوهرياً.
ما يزال العنف والتسلط والفساد؛ مقروناً بالإستهانة بكرامة الإنسان والحياة الإجتماعية، والتنافس الشخصي يفرض نفسه على الواقع.
فُرضت نظرية قبول أسوأ الإحتمالات، وعلل السياسيون واقعها بدعوى عمومية الفساد وأنهم أفضل السيئين، وخلا كثير من الأطاريح والتصرفات الفردية من المحتوى والإستراتيجية؛ نتيجة بؤس جوهر العمل السياسي الغارق بأنانية التفكير، ووضع المواطن في مقارنة دونية بين الشر والأَشر ودكتاتورية وذباح ولص وعصابة، وعليه القبول بواقع الحال أو العودة للدكتاتورية وتسليم رقبته للإرهاب، وخيارات لا خير فيها إلا مغادرة السلام والرفاهية.
سياسيون معظمهم كان مواطناً يعتاش ببساطة من أرض موطنه، ويدفع عربة كغيره من الكادحين والمحرومين، وبعضهم صفق للدكتاتورية، واليوم يُصفق له ويمجد ويُهَلل؛ فمَنْ صَنَعَ مَنْ؛ هل الدكتاتورية صنعت عبيداَ أم العبيد صنعوا الدكتاتورية؟ّ! وكلنا يُدرك أنها مغامرات وضعها الخارج لإضعاف الداخل، وحديث عن زمن يسمونه جميلاً، وهو الذي قادنا بالإفتقار والإذلال وإنتهاك الكرامة.
سؤال يشغل الشارع العراقي كثيراً؛ مَنْ يدفع الناس للأحزاب السيئة الصيت والفعل، ومَنْ يجعل في محفظة المواطن أكثر مِنْ هوية حزبية متناقضة، ولا يملك هوية وطنية تشعره بالإنتماء للأرض والمحلة والمدينة؛ حين يبحث المواطن عن شبر بين الأزقة وأحياء التجاوز والصفيح، ويعيش بلا ذكريات مكان ولا رائحة موطن، وأمامه ملك الدولة مستباح بقوة السلطة والسلاح.
إن التوظيف سبيل وحيد رسمته السياسات الخاطئة، وتعطيل شامل للصناعة والزراعة والتجارة، ولا طريق إلاّ الإنتماء لبعض الأحزاب والقوى النافذة، وعُدت مكاتب بعض السياسيين للمقاولات والتعيينات، والمواطن أيضاً يطلب ذلك ومن يُخالف يعده كثير من الجمهور ناكثاً لعهوده الإنتخابية، ومَحل سباب وإتهام، وهو يرى بعينه كيف اوصلت بعض الأحزاب مقربيها الى مقاليد السلطة والنفوذ والمال، وتَنَكَروا لبيئتهم وأهلهم وجمهورهم.
تعطينا دلالات شوارعنا المصبوغة بالدم وروائح الجثث وإنتشار الفساد؛ بوجود من يتنافس سياسياً بالقتل وإهدار الكرامة، ويُفرقنا لإنتماءات فرعية تُزيد الإنقسام.
ذنب أساس يتحمله السياسيون؛ بأنهم جعلوا مصادر العيش مرهونة بالولاء، ولا سبيل للمواطن إلا البحث عن من يجد له فرصة عمل، ولكن بعضنا أصبح شريكاً بإعادته لمرات متعاقبة للوجوه نفسها التي وصفها بالكالحة ، وفي ذات يوم شتمها وقذفها بشتى الإتهامات، وبذلك فقدنا كثيراً من وجودنا الإنساني؛ إذا تنقلنا من أقصى اليمين الى أقصى الشمال، وبعضنا جلب أدوات الإستهانة بالكرامة، وفضل مصلحة شخصية دعته لإعادة الوجوه التي سببت الفساد والتسلط والعنف، وهنا لا تتحمل الأحزاب الفاسدة الذنب وحدها؛ أن كان البعض يُعيدها للسلطة لمكتسب شخصي.
*كاتب عراقي
واثق الجابري

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة