الأخبار العاجلة

قراءة في كتاب (فنانون من المنيا)

الأصالة المستمدة من روح المكان
د. محمد سمير عبد السلام
من الأعمال التي تجسد الحرص على توثيق تاريخ الفن، وتقديم مقاربات تاريخية، و فنية حول عدد من الفنانين، ما كتب الفنان فتحي إدريس عن بعض فناني محافظة المنيا في كتابه (فنانون من المنيا)، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة سنة 2013؛ و عرض فيه لجذور الحركة التشكيلية في المحافظة من خلال تقديم نبذة معلوماتية عن بعض الفنانين، واتجاه كل منهم، ونماذج من أعمالهم؛ ليحفظ ذلك التراث، ويقدمه للأجيال الجديدة.
وأرى أن الهدف المعلوماتي مقصود بشكل أساسي في الكتاب؛ فقد حرص الفنان فتحي إدريس أن يقدم الحركة التشكيلية التي نبتت في المكان/ محافظة المنيا، أو كانت جذورها مرتبطة به، وبثقافة الوطن الأم، وكذلك أصالة تلك الأعمال التي تجاوزت الحدود باتجاه الأصالة الروحية العالمية في الفن؛ فالمكان بعلاماته المميزة قد يتحد بالاتجاهات الفنية العالمية في وعي الفنان، فيتجلى التداخل بين الهوية الثقافية، وتاريخ الفن، واتجاهاته، و أدواته العالمية.
وقد أثار الكتاب – بصورة متضمنة – مجموعة من القضايا الفكرية، والفنية في ثنايا التوثيق، والتأريخ، و التي أرى أنها ذات مغزى في النظر إلى نتاج الفنانين موضوع الدراسة، وكذلك نتاج الفنان فتحي إدريس نفسه؛ وهي؛ الأثر الثقافي للمكان، وتجليات الأصالة، والخصوصية في العمل الفني، و علاقة الفن بتحولات المجتمع، وعلاقة الفنان بالاتجاهات العالمية، والإشارة إلى قضايا النوع في الفن.

أولا: الأثر الثقافي للمكان
تناول الفنان فتحي إدريس نتاج أبي الفتوح البرعصي من خلال الأثر الإبداعي، والثقافي للبيئة البدوية التي نشأ فيها، وإعداده لبرنامج يوم بدوي بقناة الصعيد، وجداريته من وحي مصر، ويتجلى المكان هنا كمؤثر ثقافي في تشكيل روح العمل الفني، وتطوير الهوية، والانتماء للمكان، و العناصر المشكلة لخصوصيته، وتراثه العتيق، وأدواته الحضارية المستلهمة من الماضي.
يقول: «ونشأ وسط بيئة بدوية لها خصوصيتها في عاداتها، و تقاليدها … وأفراحها، وأتراحها، والتي كان لها تأثيرها المباشر على تكوين الشخصية الفنية».
وقد عرض لإحدى لوحاته التي تتجلى فيها علامات المكان بصور متناغمة، وموحية؛ مثل الدكة، وبلاص العسل، والهون الكبير، ويوحى هذا الاختيار باندماج الوعي بجماليات المكان، والقدرة على ترجمتها بصورة فنية تبرز الانتماء، و الحب داخل الفنان باتجاه الجذور الثقافية.

ثانيا: تجليات الأصالة في العمل الفني / خصوصية التجربة
من التجارب الفريدة التي عايشها فتحي إدريس، وقدم ما يميز خصوصيتها، تجربة الفنان حسن الشرق؛ فقد ميز السمات الأصيلة في أعماله، وما فيها من حس فطري؛ فيقول:
«وتتميز أعمال الفنان الفطري حسن الشرق بالنقاء، وقوة التعبير، كما أن أعماله تنبع من القلب مباشرة؛ لأنها لم يسبقها إعداد أو دراسة، ولوحاته تطوف بنا بين المرح، والسخرية، و الشاعرية، وخفة الظل، والكآبة أحيانا، وتحمل كل مواصفات الجمال الفني من إيقاع، و توازن».
ثالثا: الفن، و تحولات المجتمع
عبر عن العلاقة بين خيال الفنان، والشعور بالانتماء الوطني عند تناوله لتجربة عبد البديع عبد الحي الذي تمنى أن يكون جنديا، وحول حلمه إلى حياة بديلة عبر وسيط النحت؛ إذ صور نفسه مرتديا زي الجندية في سلاح المدفعية، والفرسان.
وتدل هذه التجارب التي أوردها المؤلف على الدور الريادي للفن في تشكيل الوعي الاجتماعي، وتدعيم أصالة الانتماء، والمقاومة، والتغيير نحو الأفضل من خلال الجمال.

رابعا: علاقة الفنان بالاتجاهات العالمية
عرض الفنان فتحي إدريس لمجموعة من الفنانين بدت في أعمالهم ملامح من الاتجاهات العالمية، فضلا عن أصالة الجذور الثقافية في وعيهم الجمالي؛ مثل رمسيس يونان، وعبد العظيم الفرجاني، ومحمد نادي.
ويعرض لاهتمام رمسيس يونان بالفراغ، و ما يمكن أن يكون فراغا سرياليا، ودمجه للعناصر الإنسانية في التصميم المجرد، ويقاربه بهنري مور في هذا الملمح.

خامسا: قضايا النوع، و الفن
عرض الكتاب لتجربتي هانم صبرة، و إيمان مصطفى في المنيا، وميز تجربة الأولى بالمثابرة، والاجتهاد، والعطاء المستمر للفن، وقد اختار لوحتين لها أرى أنهما تجسدان أصالة البيئة، وكذلك الحس الأنثوي بالاستدارة في الأشياء، وإيحاءات الأشياء المحيطة بنا كنغمات متداخلة؛ فالموسيقى تشع في المكان و تبعث فيه الحياة، واستدارة المصباح توحي بالحب، والحنين، مع أصالة التراث.
أما الفنانة إيمان مصطفى، فيتحدث عن دور والدتها، وأسرتها في تنمية روحها الفنية، ثم يختار لوحات لها ذات طابع أنثوي، ويعبر في الوقت نفسه عن أصالة البيئة؛ فالفتاة ترتدي إيشاربا، وحلقا كبيرا، والأخرى تنام بصورة حالمة، وأخرى تنظر للمرآة بشكل يوحي بالأجواء الحكائية، والأسطورية؛ مثل أجواء حكاية أميرة الثلج؛ وهو ما يؤكد تجاور الروافد المتعلقة بالنوع، والأخرى الكامنة في الذاكرة الجمعية عبر وسيط الإشارات الثقافية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة