الكتابة هي ذاتها في كل مكان.. وهي ليست كذلك في أفغانستان

أن تكون كاتباً…أفغانياً!
تقي أخلاقي
ترجمة: حسين الموزاني

كيف يكتب الكاتب الأفغاني، وما الذي يدفعه للكتابة، ومن أين يأتيه الإلهام؟ بينما تتشابه أحوال الكُتّاب في جميع أرجاء العالم، تلعب مشاكل أفغانستان دورا متميزا في ذهن الكاتب عندما يفكّر بالنشر.
عندما كنت طفلا في سنّ الخامسة أو السادسة كان لدي صديق في سنّ مماثلة يقيم أهله جوار بيتنا وكان يزورنا بانتظام. ولا يمكن أن اسميه «زميلي في اللعب»، لأنّنا لم نكن مهتمين بألعاب الأطفال. وكانت صداقتنا تقوم على الأحاديث والأحلام بالأزمان البعيدة. وأحيانا كنّا نقصّ بعضنا على بعض أفراحنا وهمومنا أيضا. وأتذكر أنّه أظهر لي ذات يوم آثار الضرب الذي تلقاه من أمّه وقال: «اليوم سألت أمّي لماذا أنجبتِني أصلا؟» وقد روى لي هذه الواقعة مبتسما كالعادة، لكنّ هذه الابتسامة جعلت مرارة كلماته تزداد قوّة وتأثيرا.

لماذا ولدت؟
لم أكن أدركت بدقّة في ذلك الوقت أو بعده بسنوات المعنى الواضح والمضمر لتلك الكلمات. ولعلّ مراجعتي للسنوات الماضية وتأملها واكتشافها ومعايشتها من جديد بدأت للمرّة الأولى بعد إنهاء المدرسة الثانوية، ومنها تلك الكلمات أيضا التي قالها صديقي. فمثّلت لي عبارة «لماذا أنجبتِني؟»، أنا الذي كتبت آنذاك أوّل قصّة قصيرة، شكوى مريرة وانتفاضة يائسة لمخلوق على الخلق. ورأيت هنا الشكّ بالخلق والذي أقيم عليه السؤال: «هل تستحق الحياة كل ثمن؟».
يَعتبر تقي أخلاقي أن «نصوص الكاتب الأفغاني مليئة بالرقابة الذاتية والتوق إلى الحريّة والعيش بأمان والقلق من الذهاب إلى الفراش جائعا، وهي مليئة بالصراعات والمحن بجميع أشكالها. ولهذا فإنّ هذه النصوص تبدو ساذجة وسطحية ربّما من وجهة نظر قارئ من بلد آخر. فالعمل الأدبي القادم من أفغانستان يعيش مثل مؤلفه في حالة صراع مع طبيعة الحياة والمتطلبات الأساسية للناس. وبهذا المعنى فإننا، نحن الكتّاب، نعيش في جزر متباعدة بعضها عن بعض».

أوّلا: لماذا أكتب؟
السؤال عن سبب الكتابة هو سؤال مبدئي. فمعظم الكتّاب يكتبون دون أن يتوغلوا في أعماقهم طيلة حياتهم ويطرحوا على أنفسهم السؤال بجدية وصراحة: لماذا يكتبون؟ والكتّاب يتمتعون بموهبة البصيرة الثاقبة، فيراقبون بدقّة تطوّر محيطهم وبيئتهم، فيحاولون النفاذ إلى عمق الأشياء. ويتأملون الكون والطبيعة والمجتمع والتاريخ والحياة ودواخلهم حتّى، باحثين بهوس عن مواضيع جديدة، لكنّهم لا يسألون عن دوافع الكتابة وأسبابها. وهم يعتبرون الكتابة أمرا بديهيا، ويبدو لهم الحديث عن دوافع الكتابة شيئا مضحكا وفائضا عن الحاجة.
وكلّما قرأت مقابلة مع كاتب، توقعت طرح هذا السؤال وكنت أتلّهف لسماع إجابة عنه. فكانت الأجوبة إلى الآن عبارة عن هروب من هذا السؤال عموما، ولم تستند إلى فحوى السؤال حقّا. ومن الأجوبة المحببة إلى نفسي تلك التي قدمها عتيق رحيمي مؤلف رواية (الحجر الصبور) إلى جريدة قبل أعوام عديدة فقال إنني أكتب لكي أعرف لماذا أنا أكتب. ووفقا لهذه الصياغة فإن دافع الكتابة يبقى مختبئا ولا يمكن الوصول إليه، والمثل الأخير الذي شهدته واحتفظت به فهو يتعلّق بإجابة كاتب آخر من أفغانستان في مقابلة مع محطّة محلية؛ فعندما سأله الصحفي: لماذا تكتب؟ ردّ عليه بالقول: وأنت لماذا تدخّن؟

ثانيا: الرحلة الداخلية
إذا تخلينا عن السؤال المباشر «لماذا الكتابة؟» وبحثنا عن إجابة له عبر الرحلة الداخلية الخاصة فستبدو لنا الأسئلة الأخرى، ومن ضمنها السؤال عن كيفية الكتابة، بسيطة تماما. ومن المحتمل أنّ طرق الكتابة تتشابه إلى حدّ كبير أو صغير مع الكتّاب المختلفين أنفسهم، وهي لا تتجاوز عدد معلوم من الطرق والوسائل. فهناك في البدء حدث يوقظ فجأة عاطفتهم الراقدة في أعماقهم، أو أن تكون هذه العاطفة يقظة منذ البداية في حالات أخرى.
هذا الحدث الموقظ رأيته ذات يوم أثناء قراءة قصّة قصيرة للكاتب الروسيّ مكسيم غوركي بعنوان (حزن بلا نهاية). وتدور أحداث القصّة في قبو وتتحدث عن مرحلة تثير الشفقة من حياة صبيّ وسيم وذكيّ ومشلول ويعيش مع أمّه الغانية والمدمنة على الكحول. فكان هذا المشهد مكتوبا بأسلوب مؤثّر ويهزّ المشاعر، لدرجة أنّه غيّر حياتي برمتها وإلى الأبد. فكنت أحلم دائما بهذا القبو الرطب الذي يقبع فيه الصبي المتلهّف والمحب للاستطلاع. فكتبت قصتي القصيرة الأوّلى بعنوان (الأشواك) تحت تأثير قصّة غوركي هذه، وحاولت فيها أن أصف يوما من حياة صبيّ فطن يعيش مع والدته المرعبة، وهو ذلك الصبيّ الذي تعرفت عليه منذ زمن بعيد، لكنّه غاب عنّي إلى الأبد؛ ذلك الفتى بالذات الذي علمّني للمرّة الأولى كيفية التمرّد على الحياة.
وبذلك ترسّخ سؤال الحياة وجوهرها في كياني دائما وأبدا وبقي ماثلا فيها إلى يومنا هذا. فرؤية معاناة الناس والحيوانات وغيرها من الكائنات التي تستأثر بجزء من الحياة الشاملة تثير في نفسي المزيد من التوتر والدهشة، ولا ينصرف عنّي هذا الإحساس قطّ. فمنذ أعوام طويلة وأنا أرى الفتيات والفتيان الصغار يتسوّلون في الشوارع، وأعرف شبّانا وشيوخا يجبرون على ممارسة العمل الشاق، وأسمع من الأطفال الصغار كيف أنّهم يتعرضون لشتى أصناف الاعتداءات الجسدية وكذلك النساء، وهذا كلّه يدفعني إلى تأمله بنظرة جديدة. فاليوم هناك الكثير من المتسوّلين والأطفال العاملين في شوارع كابول، أكثر مما كانوا عليه في السابق حسبما أتذكر. فعيونهم ووجوههم تتساءل: «لماذا أتوا بنا إلى الوجود؟ ففي حالة العدم كان وضعنا أفضل بكثير». فأقول: «ممن تشكون؟ فالحياة هي هكذا. ولم يأتِ إليها أحد برغبته، بل توجّب على الجميع أن يعانوا، وكلّ على طريقته». لكنني شعرت بالندم والارتياب، ثمّ غرقت في حالة من العجز وعدم اليقين: فهل الحياة هكذا فعلا؟ لا أعلم! غير أنّ هذا السؤال لم يتركني بسلام.
ربّما يحتاج إيضاح هذا السؤال إلى رحلة داخلية، فقصّة الحياة تقوم على تعامل الكاتب مع هذه القضايا المفزعة وإدخال قارئه في أتون هذا الصراع. ولكي نتعرّف على الحياة فعلينا أن نحفر عميقا. والكتابة بالنسبة لي وللكثير من الكتّاب الآخرين تقوم على هذا الحفر في طريق الاكتشاف المستمر لذاتي نفسها وذوات الآخرين، وعبر عملية بحث لا متناهية في حقل من الأسئلة التي لا جواب لها.

ثالثا: الوضع في أفغانستان
وفي الوقت الذي يخلق فيه المؤلف قصّة وشخصيات فإنّه يروي معها قصّة أكبر، وهي قصّته نفسه. فنصوص الكاتب الأفغاني مليئة بالرقابة الذاتية والتوق إلى الحريّة والعيش بأمان والقلق من الذهاب إلى الفراش جائعا، وهي مليئة بالصراعات والمحن بجميع أشكالها. ولهذا فإنّ هذه النصوص تبدو ساذجة وسطحية ربّما من وجهة نظر قارئ من بلد آخر. فالعمل الأدبي القادم من أفغانستان يعيش مثل مؤلفه في حالة صراع مع طبيعة الحياة والمتطلبات الأساسية للناس. وبهذا المعنى فإننا، نحن الكتّاب، نعيش في جزر متباعدة عن بعضها البعض. والكتّاب الأفغان كانوا كتبة تقارير ونادبي أموات في عهد سلطة «طالبان» ثمّ أصبحوا بعد ذلك موظفين ومتكيّفين مع الأوضاع. ويكمن التحدي الأكبر في فقدان الجمهور المحلّي وانعدام سوق الكتاب. ولا يستطيع الكتّاب والفنّانون العيش من عملهم، وهم لا يتلقون الدعم من مؤسسات الدولة. وبالطبع فإن الكتابة تهبط في هذه الحالة إلى مستوى المهنة الثالثة، وليس من النادر أن تهبط إلى مستوى المهنة الرابعة حتّى؛ فتصبح مجرد قضيّة شخصيّة يتعامل معها الكاتب أو الفنّان في حجرته بكلّ هدوء، دون أن يهتم بها المجتمع، ولن تكون ناضجة ومزدهرة أبدا.
يقول تقي أخلاقي: «نحن الكتّاب، نعيش في جزر متباعدة عن بعضها البعض. والكتّاب الأفغان كانوا كتبة تقارير ونادبي أموات في عهد سلطة «طالبان» ثمّ أصبحوا بعد ذلك موظفين ومتكيّفين مع الأوضاع. ويكمن التحدي الأكبر في فقدان الجمهور المحلّي وانعدام سوق الكتاب. ولا يستطيع الكتّاب والفنّانون العيش من عملهم، وهم لا يتلقون الدعم من مؤسسات الدولة. وبالطبع فإن الكتابة تهبط في هذه الحالة إلى مستوى المهنة الثالثة، وليس من النادر أن تهبط إلى مستوى المهنة الرابعة حتّى؛ فتصبح مجرد قضيّة شخصيّة يتعامل معها الكاتب أو الفنّان في حجرته بكلّ هدوء، دون أن يهتم بها المجتمع، ولن تكون ناضجة ومزدهرة أبدا».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة