العرب وتركيا.. تحديات الحاضر ورهانات المستقبل

-مجموعة مؤلفين –
إذا كانت العلاقات بين العرب والأتراك تضرب عميقاً في التاريخ، فهي لم تعرف يوماً مساراً ثابتاً، بدءاً من مرحلة الهيمنة التركية من خلف الخلافة في أواخر العهد العباسي ، الى ظهور دولة السلاجقة على أقسام من الجغرافيا العربية، وصولا الى بزوغ عهد السيطرة العثمانية على امتداد أربعمئة سنة بين عامي 1516و1918.
غير أن ما كان بعد هذا التاريخ، اختلف جذرياً عن كل ما سبقه. لم تعد العلاقات بين قوميتين مسلمتين في إطار دولة ” الأمة الدينية” بل غارت في خيارات متباينة في معظم الاتجاهات.
مجموعة كتاب ساهموا في إعداد فصوله ولأهمية الطروحات اختارت ” الصباح الجديد” أن تنشر بعض تلك الرؤى والأفكار

ومن هذه الطرق التي عرفتها بلاد الشام: الطريقة الرشيدية والرفاعية والقادرية والشاذلية والدندراوية والبدوية والمولوية والنقشبديدة والبكتاشية
وقد كان لهذا الطرق زوايا وتكايا يدبرها ويشرف عليها شيخ الطريقة. ومن خلال تعداد محمد كرد علي لهذه الزوايا والتكايا في كل من دمشق وحلب والقدس وبعض المدن الصغرى الاخرى في بلاد الشام، نستنتج أن توزيعها الجغرافي في الاسواق والحارات، يعكس الصورة الاجتماعية للعلاقات السياسية القائمة داخل المجموعات الاجتماعية، والمتمحورة حول تلك المراكز التي تتقاطع فيها طرق الصوفية، وطوائف الجرف ومواقف سكان الحارة وأهل السوق.
يقول جب هاملتون وهارولد بوون في الدور السياسي الذي يؤديه هذا التقاطع بين الطائفة الحرفية والطريقة الصوفية في التعبير عن الموقع الاجتماعي للسكان ما يلي: “وكانت الطائفة تخدم عدة أغراض فقد كانت توفر الوسيلة التي تمكن أقل المواطنين شأنا من التعبير عن غرائزه الاجتماعية والاطمئنان الى مكانته في النظام الاجتماعي. وكانت الحال الذي يمارس في حق المواطنة: فهو وإن لم يكن يستدعى إلا نادراً لكي يلعب أي دور في الحياة السياسية الخارجية. إلا أنه من الناحية المقابلة كان في مأمن من أن يتدخل حكامه السياسون في شؤونه إلا بنحو طفيف، إذ كانوا بوجه عام يحترمون استقلال الطوائف وطرائقها التقليدية. ومما كان ينمي الوظيفة الاجتماعية للطوائف، ليس كلها بل معظمها وبخاصة طوائف الحرف، ما لها عادة من ارتباطات مع احد الطرق الدينية الكبرى”.
ولعل هذا الارتباط بين الموقع المحلي الخاص المتمثل بالعائلة والمحلة والحرفه من جهة، والامتداد الديني لطريقهم من الطرق التي تنتشر في انحاء العالم الاسلامي من جهة اخرى هو ما يسوغ الكلام على انتماءات وسيطة توصل الى الانتماء الاشمل المتمثل بالامة على مستوى الجماعة وبدار الاسلام على مستوى المناطق. أما العلاقة بالدولة، فهي عبارة عن “رعوية” لسلطان، تتمثل سلطنه بسلم من صلاحيات ” الولاية” التي تتركز محلياً حول جباية الضرائب، وضبط الامن من دون أن تتدخل في الانتماءات الوسيطة لكسرها أو إلغائها وقد أدى مشايخ طرق الصوفية دوراً مهما في تحديد السلوك الاجتماعي والسياسي للتابعين في الحارة أو الطائفة. يقول أحد أبناء الحرفيين في وصف علاقة الدمشقيين بمشايخ الطرق: “ولما يكن من الوسائط بالنسبة اليهم ما يأخذ بأيدهم الى جادة الحق والصراط المستقيمين، إلا ملازمة طبقة العلماء وبعض الزهاد ممن اشتروا بفضلهم وزهدهم ونسكهم، أخذوا يلتفون حولهم من` زمن بعيد، يرجعون اليهم في كل ما يحتاجونه اليه من أمور الدنيا والاخرة. فإذا سألت أحدهم “الى من ترجع في أستيضاح أمو دينك؟”، قال لك : الى الشيخ فلان، فعلا كانت بالنسبة الى وضعهم البعيد عن كل ثقافة ودراسة بل وتعليم بدائي، خير وسيلة لتنظيم شؤونهم والحفاظ على أوامر دينهم. وكانت هذه الجماعات تلتف حول شيخها عقب صلاة العشاء أو المغرب أو أيام الجمعة عقب صلاة الجماعة، ليصغوا الى ما يقبله عليهم من النصائح والاشادات التي تزكيهم وتنظم حياتهم”.
وإذا كانت شهادة العلاف هذه تعكس، من جهة، استمرارية حالة سلطة مشايخ الطرق حتى مطلع القرن العشرين في دمشق، كخير وسيلة لتنظيم السائدة نحو اعتماد معيار “أخر” في تعيين علاقة دولة حديثة. وهو معيار يرى في أقنية ” التعليم” و “الصحافة” و” الاحزاب” بديلاً من الوضع الذي يصفه العلاف في مطالع القرن العشرين ـ أي في الفترة التي بدأت هذه الاجهزة فيها بالتكون والعمل ” البعيد عن كل ثقافة ودارسة بل وتعليم بدائي”.
والواقع أن ثمة نوعاً من ثقافة ودارسة وتعليم “صدر من الزوايا والتكايا والمساجد في المدن الاسلامية، كان قد أمن للفئات الاجتماعية أشكال التعبير المناسبة في الحراك الاجتماعي لتلك المرحلة”.
بل إن ثمة نوعاً من “تكافل اجتماعي” نسبي أمنته مؤسسة الاوقاف التي ازدهرت في مراحل من التاريخ الاسلامي، بما فيها المرحلة العثمانية. ومن المعروف أن الوقف، ولا سيما الوقف الخيري، يشمل الكثير من أوجه المنفعة للمجتمع. فمن خلال ريوع الاوقاف كان ينفق على المساجد والخانات ودور العلم والمدارس والمستشفيات (البيمارستانات) والمقابر، كما أن ثمة أوقافاً كانت تخصص لـ “القرض الحسن” وللبيوت الخاصة بالفقراء والسقايات والمطاعم الشعبية التي يوزع فيها الطعام على الفقراء والمحتاجين، بل إن كتب التراجم تحدثنا عن أوقاف حبس ريعها ليصرف على اللقطاء واليتامى والمقعدين والعجزة والعميان والمجذومين…
يعدد محمد كرد علي في كتابه خطط الشام، 611 مؤسسة اجتماعية كانت في مدن بلاد الشام، يعود بعضها الى ما قبل العهد العثماني وبعضها الاخر الى المراحل العثمانية الاولى، وجميعها كان ينفق عليها من الاوقاف المخصصة لها.
من هنا يمكن أن يقول إن فكرة “الدولة الحديثة ” التي حكمت في صوغ النص التاريخي الحديث، وحملت معها مؤسسات اجتماعية وثقافية مغايرة ، وصلت الى حد طمس طبيعة السلطة والثقافة ومؤسسات المجتمع التقليدي ودورها في المدن الاسلامية، عربية أو غير عربية، في العهد العثماني. وهذا الطمس يطاول في جانبه الاساسي اشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي الذي هو جزء من تنظيم لسلطات أهلية أعادت إنتاجه ثقافة كانت تنتج على قواعد من الثوابت التاريخية التي تجد جذورها في الاسلام الشيعي والصوفي ومؤسساته من جسد وتكية وزارية ورباط ومؤسسة الاوقاف ، وفي الممارسة الاقتصادية الحرفية التي لم تخضع كحال الرأسمالية الاوربية لفلسفة المنافسة الحرة ” بل خضعت لضوابط ذاتية أيديولوجية وعقائدية جعلت من معاير ” الحلال” مرجعا لشرعية الكسب” ، وتمثلت أساساً بطوائف الحرف وأصنافها وطقوسها التي انتظمت في الطقوس الصوفية نفسها وطرفها المنتشرة في مدن العالم الاسلامية ومحطاته.
4- الاقطاع العسكري ودوره الوظيفي كسلطة بين المجتمع والدولة: من التيمار والزعامة الى نظام الالتزام
كيف تشكلت العلاقة بين هذا المجتمع (الرعية) المرتكز الى مؤسسات اهلية اسلامية وعرفية من جهة، والسلطان والولاة والمؤسسة العسكرية الرسمية من جهة أخرى
الواقع أن شرطي الجباية الضرائبية وضباط الامن اللذين حددا قاعدة
الرعوية او التابعية للسلطان مثلا بدروهما اطار صوغ هذه العلاقة وعينا اشكالها سواء على مستوى التدخل ووزنه في الشؤون الاهلية او على مستوى الاستقلال وحجمه بالنسبة الى المجموعات السكانية المؤطرة في الولايات.
وكانت واسطة تأمين هذه العلاقة هي النظام الاقطاعي العسكري الذي جاء امتداداً لنظام الاستثمار في الدولة الاسلامية لكن بعد ان ادخلت الخدمة العسكرية معيارًا في تعيين حجم الاقطاع منذ العهدين البويهي والسلجوقي نشأ ما يمكن ان نسميه الاقطاع العسكري او الحربي الذي تبنته السلطنة العثمانية بصيغة التيمار والزعامات.
وقد تضمن الاقطاع بهذه الصيغة معنى الحكم والولاية فلم يكن للمقطع حق التمليك أي حق الرقابة بل كان له حق الاستغلال او الارتفاق وحتى اذا ورث الجندي اباه فانه لايرث الا حق الاستغلال وهذا هو وجه الخلاف الكبير بين الاقطاع في الشرق ونظيره في الغرب.
لقد استجاب نظام الاقطاع الحربي لحاجات الفتوح العسكرية في عهود الدولة العثمانية الاولى ولا سيما خلال القرنين الاولين من تأسيسها (الرابع عشر والخامس عشر) حيث اعتمدت الدولة على فكرة الجهاد والمرابطة والفتوة في تنظيم التطوع العسكري وفي اقطاع المقاطعات للفرسان- السباهية- مقابل خدماتهم العسكرية فكانت الخدمة العسكرية المتمثلة بالاستجابة الى نداء السلطان للقتال تتجسد في عدد الاتباع الذي يتمكن صاحب التيمار من احضارهم الى ميدان القتال وكان صاحب التيمار ان يحضر تابعا عن كل ثلاثة الاف افجة اما الزعيم فعليه ان يحضر تابعا عن كل خمسه الاف اقجة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة