إعلانات الوظائف في زمن المحاصصة

عادل اللامي
حقوقي ورئيس مفوضية الانتخابات العراقية الأسبق.
من مقتضيات الأدارة الناجحة ان تكون عملية توظيف وادارة الموارد البشرية خاضعة للمعايير العلمية والمهنية وان تتطابق مع المباديء الدستورية والديمقراطية في المساواة لكي تحقق المؤسسة اكبر قدر ممكن من الأنتاج والنجاح والأرباح، فيتحتم عليها اتباع المعايير الصحيحة في التوظيف واختيار الموظفين والعاملين الذين تتطابق مؤهلاتهم وامكانيّاتهم مع الوصف الوظيفي الخاص في الوظيفة المطلوب اشغالها.
وقد نص الدستور العراقي في المادة 14 منه على: (العراقيون متساوون أمام القانون من دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي.) وايضاً المادة 16 منه: (تكافؤ الفرص حقٌ مكفولٌ لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الإجراءات المطلوبة لتحقيق ذلك.) وايضاً المادة 19/ سادساً (لكل فردٍ الحق في أن يعامل معاملةً عادلةً في الإجراءات القضائية والإدارية.)، من هنا تبرز اهمية تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين للعمل في القطاع العام بل حتى في القطاع الخاص الذي يتعاقد مع مؤسسات القطاع العام لتنفيذ مشروعات لصالح الدولة كأن تتعاقد احدى المؤسسات الحكومية مع شركة اجنبية وتشترط الجهة الحكومية توظيف ملاكات عراقية بنسب معينة فان هذا التوظيف يجب ان يخضع لمبدأ تكافؤ الفرص، والحقيقة انه حتى في القطاع الخاص الذي يروم تحقيق اعلى قدر ممكن من الارباح فمن البديهي ان يختار الأفضل لإشغال الوظائف الشاغرة لديه من خلال نشر اعلان عن الوظيفة الشاغرة وتلقي طلبات التوظيف واجراء المقابلات والاختبارات لكي يفوز بالوظيفة من يحصل على اكثر النقاط الترجيحية.
لكن وبكل اسف، ان واقع الحال لدينا يعكس غير ذلك ، صحيح انه يتم الأعلان عن الوظائف لمؤسسات الدولة في الصحف والمواقع ويتم التقديم لهذه الوظائف وملء الاستمارات، لكن في الحقيقة فان هذه الوظائف يتم اشغالها حسب المحسوبية والمنسوبية والحزبية من دون مراعاة لمبدأ تكافوء الفرص الدستوري ولا لمعايير الكفائة والدرجات العلمية والسِيَرْ الذاتيّة الغنيّة بنقاط التمَيُّز لبعض المتقدمين للوظيفة ، والأدلة على ذلك لا تحصى بسبب تفضيل المصالح الذاتية والضيقة على المصلحة الوطنية العامة ومصلحة العمل للمؤسسة المعنية وأولوياتها. هذا ما انتجته المحاصصة الحزبية التي اتصف بها نظامنا السياسي الحالي والذي كنّا نتوقع منه ان تكون ردّة فعله معاكسة لما عاناه الشعب العراقي ابان حكم حزب البعث الذي همّش الكثير من ابناء الشعب واعطى الأولوية في التوظيف الى البعثيين.
أذن ما هو الحل لمكافحة ظاهرة الفساد الأداري هذه؟ باعتقادي ان تأسيس وتفعيل مجلس الخدمة الأتحادي كهيئة مستقلة حقيقية خارج اطار المحاصصة الحزبية لكي تحافظ على رصانة الموارد البشرية في مؤسسات الدولة وايضاً يجب ان تخضع عملية التوظيف للرقابة الموضوعية وليس الشكلية فقط في عملية التعيين أو التوظيف، فلا يكفي ان تقوم المؤسسة الحكومية المُعلِنة عن حاجتها للموظفين بوضع اعلان وتلقّي الطلبات ويصبح الموضوع شفافاً وفقاً لهذه الشكليّة فقط، بل يجب ان تفحص جميع الطلبات وتخضع للتصفية (Filtration) والأختبار المهني من قبل جهات رقابية عمياء لا تنظر لأسماء وألقاب وقوميات ومذاهب واحزاب المتقدمين. بل تنظر الى نقاط القوّة العلمية والمهنية للمتقدمين، وايضاً يتوجب على المؤسسات التي تعلن عن حاجتها للموظفين ان لا تطلب ادراج الأسم الرباعي واللقب في استمارات التقديم بل ان تكتفي بتخصيص رقم للمتقدمين او تطلب الأحرف الأولى لاسماء المتقدمين في المرحلة الأولى لكي لا يتأثر المسؤولون عن التوظيف في المؤسسة طالبة الموظفين بتأثيرات طائفية او قومية او عشائرية حين يقرأون اسماء المتقدمين لشغل الوظيفة، لأن معظم الأسماء والألقاب في مجتمعنا تعكس الخلفية القومية والدينية والمذهبية والعشائرية للمتقدمين.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة