العطل والانطلاق

ما يميز بين منهجين هو هل سيساعد المنهج على العطل الذي نعيشه منذ عقود، ام سيساعد على سياسة الانطلاق التي نصبو اليها. من دون الانطلاق لا مستقبل ولا تطور ولا اصلاحات ادارية واقتصادية، وسنستمر بسياسة الترقيع ونهتف لانتصارات كاذبة، ونسقط في فخ اعادة انتاج المنظومة نفسها التي اسست للعطل والفساد والبنى المتخلفة التي نراكم البناءات عليها، وهو ما يعزز النقاشات المتهافتة والمحاججات البائسة التي تنتصر على الرشد والعقل والعلم والمنطق والمصلحة، وكل ما يقود لتقدم الامم وتخلصها من عوامل الفقر والجهل واللاانتاجية.
هذه بوصلة مهمة للتمييز بين السياسات الخاطئة والصحيحة، وبين الاتجاه الذي يجب ان يتعزز والذي يجب التخلي عنه. فعندما نناقش معركة الموصل، وقانون الموازنة، وموضوعات العفو العام، وملفات الفساد، واستجواب المسؤولين، والانتخابات، والتصويت على القوانين المختلفة، او تعديلاتها، وغيرها، فان سؤالاً اساسياً يجب ان يطرح، وهو هل سيقود ذلك للمزيد من العطل والانحباس، ام سيساعد على الانطلاق، ام هناك تشابك وتداخل. اننا ندرك ان هناك موجة عارمة مشروعة من الشكوك وفتح الملفات والمزيد من الهيئات والقيود للحد من هدر المال العام والفساد.. ونعلم –بالمقابل- ان جزءا مهماً من هذه الموجة سياسي وشخصي وانتقائي وغير اصولي، ويعتمد على الاثارة وثقافة الجهل اكثر منه على الوقائع والمصالح.. وانها ستعبىء مجدداً للكثير من الاحكام والقناعات التبسيطية.. وستسقط اسماء وتتقدم اخرى.. ليبقى العطل وجوهرالفساد والهدر الاعظم للمال العام في مواقع اخرى بعيدة عن الانظار والتساؤلات.. وستبدو الاجراءات «قانونية» و»اصولية»، بمعايير المنظومة العاملة التي يعتاش عليها الجميع، من دون عمل وانتاج جدي للغالبية الساحقة.. ولعل هذا ما اشارت اليه المرجعية مؤخراً بالانشغال بفساد الصغار واهمال الكبار.
ثم سنقف مرة اخرى امام دورة جديدة، نظام جديد، حكومة جديدة، نتساءل كيف نتقدم ببلد توقف انتاجه وتقدمه ودوافعه وطموحاته.. والذي ينسف اسس وقواعد انطلاقه، لانها ليست من اولويات النخبة، الطبقة، القيادة او السلطات المختلفة.. فنقف امام خرائب ومواقع مدمرة، ومجرد مخاوف وقيود ومحددات.. ونفوس مستهلكة محبطة، وشعب يزداد استهلاكه على انتاجه، ومزايدات وقرارات يختلف ظاهرها عن باطنها. عندها يصبح الكل متهماً، وتدور حوله الشبهات، ويجب اسقاط الجميع، لنبدأ من جديد، معتقدين اننا بهذه الامور سنبني شيئاً، في حين النظام بمنظومته الظالمة الفاسدة المتخلفة غير المنتجة باق، يضحك علينا جميعاً.
لقد فوتنا فرصاً عظيمة.. وسنستمر بتفويت اخرى.. وسنستمر باستهلاك انفسنا واموالنا ورجالنا ومكتسباتنا وتضحياتنا.. وان مناهجنا ان تضمنت فقط، او اساساً، القيود والمخاوف والانحباس والمحاسبة والعقاب، ولم تتضمن اولاً العدالة والشفافية والادارة الناجحة والمبادرة والتعبئة والبناء والانتاج والتنمية والانطلاق، فاننا لن نراكم مكتسبات، ومنظومات عمل تنقلنا من مواقع الفشل لمواقع النجاح. فما جدوى الكوابح لعجلة عاطلة لا تتحرك ولا تنطلق للامام. فاما ان نحدد الاولوية، ونضع الامرين في مكانهما الطبيعي، او الاستمرار بتقديم التعطيل والعرقلة على اولوية الانطلاق والحركة للامام، بكل ما يرافقها من اخطاء ونواقص وثغرات مبررة لاي عمل جاد. لذلك يهنيء الرئيس السابق كلنتون، الرئيس اوباما عند فوز الاخير بالرئاسة قائلاً، نرجو ان نرى منك اخطاء جديدة.. بمعنى ان الاخطاء القديمة غير مقبولة لانها تكرار واصرار على الخطأ، لكن الافكار والمشاريع الجديدة ستلازمها بالضرورة اخطاء جديدة. فالخطأ غير المتعمد في مواقع الانتاج والمبادرة والاجتهاد ليس جريمة، بل الجريمة ما يقود لتكرار الاخطاء والتجارب الفاشلة، وحجز التقدم والتطور والانطلاق.
هذا بعض ما يفسر الفشل ليومنا من بناء قاعدة سليمة وقوية يمكن الوقوف عليها والانطلاق منها، لنحاسب ونتحاسب على وفق قواعد واضحة تظهر الافعال الناجحة وتلك الفاشلة. ففي الدولة -كما في الحرب- يقود الغرق بالقضايا الصغيرة الى تجاهل القضايا الكبيرة، حيث الاهم في النهاية الهزيمة ام النصر.
عادل عبد المهدي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة