هكذا يتم تفكيك تنظيم داعش وحصاد رؤوس قياداته

برلين ـ جاسم محمد

شهدت استراتيجية الولايات المتحدة مؤخراً تغيراً نوعياً في محاربة تنظيم داعش في سوريا والعراق، من خلال استهداف رؤوس قيادة التنظيم، هذه العمليات بدأت تأتي بنتائج ايجابية في محاربة التنظيم واضعاف موارده البشرية والمالية وتعيد للأذهان عمليات تصفية القاعدة من قبل. إن ايجاد غرف عمليات وسيطرة مشتركة ميدانياً ما بين مؤسسة الدفاع او قوات مكافحة الارهاب واجهزة الاستخبارات، بات ضروريا. العمل يقوم على تغذية الدفاع بالمعلومات حول حركة قيادات التنظيمات المتطرفة، ضمن آلية سريعة ميدانية بعيداً عن البيروقراطية، يدعم قوات النخبة، بتنفيذ عملياتها.
أعلن تنظيم داعش، بوم 30 اوغست 2016، مقتل متحدثه الرسمي، أبو محمد العدناني (طه صبحي فلاحة)، وذلك في أثناء تفقده جبهات حلب، وفقاً لوكالة «أعماق»، واعلنت واشنطن بأنها استهدفت مسؤولاً كبيراً بطائرة من دون طيار في التنظيم من دون ذكر اسمه. ويعد العدناني، ثالث قيادي رفيع المستوى يخسره التنظيم في غضون خمسة أشهر فقط، ما يوجه الأنظار أكثر إلى زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي الذي بات معزولا أكثر فأكثر. التقارير كشفت عن مقتل 26 قيادياً من التنظيم في غضون العامين الماضيين.
فالتنظيم، لم يتراجع فحسب بل خسر الكثير من الوهج الذي حصل عليه في اعلان «خلافته» عام 2014. مايجري الان من حصد رؤوس التنظيم يعيد مشهد حصاد رؤوس تنظيم القاعدة في افعانستان وكهوف تورا بورا.
السؤال المهم هو: هل تنظيم داعش يعيش الان مرحلة التآكل والتفكك؟
العدناني لا يدير الخلايا الانتحارية وليس من القادة المؤسسين
من خلال مراجعة رسائل التنظيم، فان العدناني يتمتع برمزية داخل التنظيم، كونه، المتحدث بأسمه. العدناني عرف ايضاً بسجاله الطويل مع الظواهري عام 2013، في اعقاب انشقاق التنظيم ثم خروج جبهة النصرة، بزعامة ابو محمد الجولاني. ويعد العدناني من أبرز قادة التنظيم وقد تولى منصب «أمير الشام» في التنظيم، وكان عنصراً مغموراً في تنظيم القاعدة ثم انتقل إلى جبهة النصرة، لينتهي به الأمر في التنظيم قياديا وموضع ثقة قائده أبو بكر البغدادي. وقد وصف الناطق باسم البنتاغون العدناني بأنه «المهندس الرئيسي» للعمليات الخارجية لتنظيم داعش وانه المعني في ادارة الخلايا الانتحارية في الخارج خاصة في اوروبا. لكن المعلومات المسربة من داخل التنظيم تقول ان العدناني يمسك بماكنة اعلام التنظيم، اما العمليات الانتحارية، فتدار من قبل المستشار الامني والاستخباراتي للتنظيم، مكتب الامن والاستخبارات. وربما وجود العدناني في ساحات القتال يدعم هذه الفكرة. يذكر ان وجود العدناني في ساحات القتال، ربما تأتي لتعزيز معنويات المقاتلين وسط خسارة التنظيم وتراجعه اكثر من قيادة العمليات. وبرغم ان العدناني يعد من ابرز القيادات المقربة الى زعيم التنظيم ويحظى بمكانة خاصة، فأن العدناني لا يعد من القادة المؤسسين للتنظيم، عكس ما تواردته العديد من التقارير والوكالات الاستخبارية.
دور ابو محمد العدناني داخل تنظيم داعش
خلال سفر الحاج بكر الى سوريا عام 2010 لاعادة الضباط القدامى، اتصل ب ابو محمد العدناني، كونه كان منتمياً الى الجماعات «الجهادية «، مجلس الشورى والقاعدة في العراق ماقبل 2003 وخلال اجتياح القوات الاميركية للعراق. وعاد ابو محمد العدناني الى العراق بعد دعوة الحاج بكر وكان بصحبته 50 مقاتلا انضموا الى تنظيم «الدولة» وعمل في القضايا الشرعية ثم مجلس الشورى. المعلومات تقول بان ابو محمد العدناني كان مقرباً من العسكر خاصة في منطقة حديثة التي عمل بها العدناني سابقا، وكان يرتبط بعلاقات حميمة معهم. وخلال هذه المرحلة عام 2010 كانت هناك جهود وترتيبات لتشكيل تنظيم جديدة يخرج من تنظيم الدولة اسمه «جبهة النصرة» في سوريا وعمل ابو محمد العدناني الى جانب مازن نهيري ،عراب استخبارات التنظيم لاعادة الضباط السابقين ابرزهم ابو مسلم التركماني.
مقتل العدناني يفتح مرحلة جديدة للتنظيم تكون اكثر اختراقاً وتفككاً، بعد ان كان يعاني التنظيم من التراجع. التنظيم الان امام مشهد التآكل من الداخل بالتزامن مع مايشهده من خسارات عسكرية في العراق، عند القيارة والحويجة واطراف الموصل وخسارته في سرت الليبية ومنبج وجرابلس السوريتين.
هذه العملية من شأنها ان تثير الكثير من التسائولات حول من تبقى من التنظيم الرئيسي، أي الحلقة المغلقة عند مرحلة التأسيس وما بعدها. بعض التقارير قدرت قيادات التنظيم من الحلقة المغلقة، غالبيتهم من العراقيين ومن خدموا في الجيش العراقي ماقبل عام 2003.

اختراق التنظيم
أعلن المتحدث العسكري الأميركي في العراق الكولونيل «كريس غارفر»، أن القوات التي تحارب تنظيم «داعش» شمال سوريا بقيادة التحالف الدولي، جمعت كنزاً ضخماً من وثائق وبيانات معلومات تخص التنظيم .إن المواد التي جمعت خلال انتقال المقاتلين من قرية إلى قرية أخرى حول بلدة منبج، تشمل دفاتر وأجهزة كمبيوتر محمولة وأجهزة تخزين معلومات (يو إس بي)، وكتبا في الرياضيات والعلوم أعيدت كتابتها مع إضافة مسائل مكتوبة بلغة تنظيم داعش.وأضاف غارفر أن التحالف يعكف على تحليل المواد التي تجاوزت أربعة» تيرا بايت» من المعلومات الرقمية، معظمها باللغة العربية لمحاولة تقرير «من أين نبدأ في تفكيك تنظيم داعش».

وثائق حجي بكر
أتاحت وثائق حجي بكر، مؤسس التنظيم والذي قتل في سوريا عام 2013، الفرصة لأول مرة لاستنباط الاستنتاجات عن التنظيم وفقاً الى «دير شبيغل». والأهم من ذلك كله أنها بينت كيف تم التخطيط للاستيلاء على شمال سوريا مما مهد الطريق أمام المجموعة للوصول إلى العراق. وثائق الحاج بكر كشفت خطة التنظيم والتي تقضي منذ البداية بعمل أجهزة المخابرات بشكل متوازٍ مع بعضها البعض حتى على المستوى الإقليمي. حيث يترأس قسم المخابرات العامة أميراً للأمن يشرف بدوره على نوابه في المقاطعات المختلفة. ويتلقى هولاء النواب تقارير من رؤساء الخلايا الجاسوسية ومدراء المعلومات الاستخباراتية لكل مقاطعة «لضباط الأمن».
تزاوج الدفاع والاستخبارات
في مواجهة التنظيم
منذ انطلاق التحالف العسكري الغربي يقيادة الولايات المتحدة، والتنظيم كان فاعلا حتى منتصف عام 2015، حيث غيرت واشنطن سياستها لتقوم بعمليات نخبوية بحصد رؤوس التنظيم، هذه الاستراتيجية جاءت بنتائجها واوصلت التنظيم الان الى حالة التفكك التنظيمي.
ادركت بعض الدول الاوروبية ايضا بضرورة اتباع العمل الاستخباراتي في مواجهة التنظيم اكثر من الضربات العسكرية، التي كانت في الغالب تقوم على اساس رد ود الافعال. ان امكانية الولايات المتحدة من الوصول الى هذا النوع والحجم من القيادات له دلالات كثيرة، ابرزها دقة المعلومات التي تحصل عليها قوات التحالف الدولي. إن مثل هذا النوع من العمليات، اصطياد رؤوس التنظيم تحتاج الى جهود استخباراتية دقيقة ونوعية تكون قريبة جداً من الاهداف، وهذا يعني ان هذا التنظيم بات مخترقا استخباراتيا. فالتنظيم لم يعد قادراً على الحفاظ على تماسكه من الداخل، ولا على البنية التنظيمية، فالتنظيم يتجه نحو الاختفاء عن المسرح العملياتي في دول المنطقة. ان العمليات النوعية لقوات النخبة من شأنها ان تحصل على معلومات ووثائق الى جانب حصد رؤوس التنظيم. إستخبارياً يعد الاختراق والحصول على الوثائق، ذات درجة من الاهمية اكثر ما تحصل عليه المصادر البشرية والفنية من رصد ومراقبة. الاختراق يعد اعلى درجات النجاح العملياتي الى اجهزة الاستخبارات والى ضباط الاستخبارات ، وعملية واحدة من هذا النوع من شأنها ترفع درجة مصداقية ورصيد اجهزة الاستخبارات وضباطه.
هذا التفكك سيعمل ايضًا على خسارة التنظيم قدرته، بتنفيذ عمليات انتحارية في اوروبا وعواصم غربية . مايستدعي اقليمياً ودولياً، تعزيز هذا النوع من الانجازات بمواجهة التطرف وصناعة الكراهية من الداخل ايضا لايقاف عمليات التجنيد والالتحاق بالتنظيم.

* باحث في قضايا الارهاب والاستخبارات

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة