ذاكرة الأيام في سفر التأريخ السياسي العراقي (1 – 2)

د. سعد عبد الوهاب شاكر

هناك أسباب عديدة لمشكلة الحكم والنظام السياسي في العراق حددتها جغرافية وتاريخ البلد. الخوض فيها هو خارج صدد هذه المقاله. هدف هذه المقالة هو بحث مشكلة ادخال الجيش والعنف في السياسة العراقية في الدولة العراقية الحديثة منذ عام ١٩٣٦.

قبل ١٩٣٦
بنى الملك فيصل الاول والرعيل الاول من الساسة والقادة العراقيين وبمساعدة المستشارين والخبراء الانجليز وبإمكانيات اقل من القليله أساس دولة عراقية رصينة. ذلك البناء الرصين كان بعيداً جداً عن الكمال طبعاً، ولكنه كان نظاماً سياسياً مدنياً فيه حكومة ومعارضة تُمارس كل منها العملية السياسية بطريقة سلمية تشمل النقاش في البرلمان ومجلس الأعيان، تشكيل الأحزاب والجمعيات،ًالكتابة بالجرائد، ترتيب التظاهرات، كتابة رسائل الاحتجاج وما شابه. سياسة البلد كانت مرتبطة بمعاهدة مع بريطانيا لها من يؤيدها ومن يعارضها من العراقيين. ومع وجود الفقر والمرض والامية (الموروثة من قرون من التخلف العثماني – والتي لم يكن بالإمكان تغييرها سريعاً بالإمكانيات الموجودة) كانت حالة البلد على العموم تسير في تقدم سريع في بعض المجالات وبطئ في مجالاتٍ اخرى.

وفاة الملك فيصل الاول وجلوس الملك غازي على العرش
رحيل الملك فيصل الاول المبكر في عام ١٩٣٣ وجلوس الملك غازي على العرش احدث خللاً في التوازن. ذهب العقل الراجح والصوت الهادئ وجاء ملك لم يكن ذكياً بشهادة معلميه، متهوراً في سلوكه العام ومتشبثاً بافكار قومية بعضها غوغائية. كل هذه جعلته ان يصير الى حدٍ ما لعبة بيد بعض السياسيين.

بداية أم المشكلات – تدخل الجيش في عالم ١٩٣٦
احداث ١٩٣٦ التي كانت البذرة لتدخل الجيش والعنف بالسياسة كانت أحداثاً غريبة. حدث تناغم وتحالف بين أطراف غير متجانسة مثلاً بين سياسي عراقي من أصل گرجي (جورجيا) (حكمت سليمان) وضابط كردي لمع اسمه في حركات الاثوريين عام ١٩٣٣ الا ان لا ناقة له ولاجمل بالسياسة (بكر صدقي)، أدت الى حدوث اول محاولة لانقلاب عسكري في العراق ومقتل الفريق الركن جعفر باشا العسكري مؤسس الجيش العراقي الذي كان إنساناً وطنياً شريفاً لم يكن له طموح سياسي. أراد العسكري حث الجيش عن العدول عن مغامرة الدخول بالسياسة. خاف بكر صدقي من محبة أبناء الجيش العراقي لجعفر باشا فامر بقتله وهو في طريقه (بلا قوة عسكرية محارِبة معه) الى بعقوبة بمحاولة إقناع المغامرين بالعدول عما كانوا يفعلون.
انقلاب بكر صدقي كان اول انقلاب عسكري في العراق والدول العربية، وبيان الانقلاب
كان، «إيها الشعب العراقي الكريم : لقد نفذ صبر الجيش المؤلف من ابنائكم ، من الحالة التي تعانونها ، من جراء اهتمام الحكومة الحاضرة لصالحها ، وغاياتها الشخصية ، من دون ان تكترث لصالحكم ورفاهكم . نطلب إلى صاحب الجلالة الملك المعظم اقالة الوزارة القائمة ، وتأليف وزارة من ابناء الشعب المخلصين. قائد القوة الوطنية الاصلاحية الفريق بكر صدقي العسكري». لقد كان هذاالبيان هو «البيان رقم ١» الاول لسلسلة عديدة من البيانات المماثلة التي جرت العراق الى مستنقع بعد مستنقع آخر في العقد. التي تلت.
أدى انقلاب بكر صدقي الى استقالة رئيس الوزراء ياسين الهاشمي وتركه العراق وتكليف الملك غازي لحكمت سليمان لتشكيل الوزارة. شملت وزارة حكمت سليمان جعفر ابو التمن، صالح جبر، كامل الجادرجي، ناجي الأصيل ويوسف ابراهيم. هذه الوزارة كانت المثل الاول لقدوم قادة «المعارضه الوطنيه» الى الحكم ليس عن طريق العمل السياسي السلمي بل «ان يوضع رجال المعارضة على الكراسي نتيجة انقلاب عسكري». السؤال المهم في هذا الصدد مثلاً هو كيف قبل سياسي اشتراكي مثل كامل الجادرجي التحالف مع ثري من اصل گرجي وضابط غير سياسي. ان هذه الطريقة للوصول الى الحكم كانت «ام المشكلات»، لانها ادخلت في المشهد العراقي طريقة الوصول الى الحكم عن طريق العنف والانقلاب العسكري. هذا الانموذج استمر في العقود التي تلته ويعد واحداً من المأخذ التاريخية على القوى السياسية المختلفة التي رضيت بالوصول الى الحكم عن طريق الانقلاب العسكري من قبل ضباط في الجيش. لماذا قبل السياسيون «الوطنيون» الا يمارسوا عملهم السياسي بواسطة الصحافة والاجتماعات والتظاهرات، بل رضوا بطريقة الوصول الى الحكم يداً بيد مع عنف العسكر. هذه هي مسألة عانت منها اجيال من العراقيين كما سيظهر في بقية هذه المقالة .

فترة ١٩٣٦ – ١٩٤١
كانت هذه فترة مضطربة سياسياً، حدث فيها اغتيال بكر صدقي، الذي قيل ان نوري السعيد دبره بالاتفاق مع الانجليز. وكائن من كان المدبر، فأن مقتل بكر صدقي كان نتيجة متوقعة لان الدم يتبع الدم. وقُتل في هذه الفترة الضابط العراقي في القوة الجوية محمد علي جواد الذي كان ا بن عمه عبدالكريم قاسم. بدأ الدم يسيل في المشهد العراقي منذ تلك الأيام الى يومنا هذا.
موت الملك غازي بحادث اصطدام سيارته في عام ١٩٣٩ وكل اللغط والاتهامات الذي صاحبت هذا الحدث أدى الى استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي الذي بدأ بانقلاب بكر صدقي العسكري.

وصاية الأمير عبدالإله على عرش الملك فيصل الثاني
كان فيصل الثاني قاصراً حينما توفي والده وعلى وفق الدستور العراقي لذا وجب تنصيب وصي على العرش. المرشح الاول كان الامير زيد بن الحسين الاخ غير الشقيق للملك فيصل الاول والأمير زيد شخصية رصينة مؤهلة. لكن الظروف السياسية اللامستقرة آنذاك، دعت نوري السعيد لان يناور سياسياً لابعاد الامير زيد عن الوصاية بسبب الخوف من ان يصير مستقلاً في قراره وتصعب السيطرة عليه، وصار التوافق على اختيار الامير عبدالإله بن علي خال الملك فيصل الثاني وصياًً. اختيار عبدالإله وصياًً كان احد أسباب انحدار العراق سياسياً. حينما نُصِب وصياًً على العرش كان عبد الاله صغير العمر وقليل الخبرة. وكذلك كان له ضغينة في قلبه على مسيرة الأوضاع العربية لان والده الملك علي ملك الحجاز (اكبر اولاد الشريف الحسين بن علي) فقد عرشه بخسارة الحرب مع آل سعود،ً معنى هذا ان عبدالاله كان يرى نفسه اكبر الهاشميين من جيله ولكنه من دون عرش. هناك بعض من عرفوا الامير عبدالاله يصفوة بالوطنية والطيبة ولكن هناك من لا يحبون الامير عبد الاله ويتهمونه باللؤم وقلــة الحكمة.
حركة ١٩٤١
من الصعب إيجاد تعريف دقيق لما حدث في العراق سنه ١٩٤١. فهي لم تكن ثورة شعبية بالمعنى المفهوم ولم تكن انقلاباً عسكرياً تقليدياً. كانت حركة ١٩٤١ مزيجاً من الشد السياسي بين أنصار الانجليز بقيادة نوري السعيد وعبدالاله من جهة وبين قادة المعارضة برئاسة رشيد عالي الكيلاني من الجهة الاخرى الذين اخذوا موقف مطالبة تحالف العراق مع دول المحور بقيادة ألمانيا. ولو ان جذور الخلاف بين الطرفين عميقة وتعود الى خلافات في أوجه النظر موجودة منذ نشأة الدولة العراقية الحديثة الا ان المسألة التي أججت الخلاف هي مطالبة بريطانيا لان يؤدي العراق وأجبه على وفق اتفاقية ١٩٣٠ لتسهيل عمليات مرور قوات الحلفاء في ارضه حربهم مع ألمانيا.
المسألة كانت يمكن ان تبقى سياسية من دون أن تؤدي الى النتائج التي أدت اليها لولا ادخال الجيش في هذا الصراع. الجيش دخل في هذه الحركة بقوة وأصبح شد بين ضباط يرأسهم رئيس أركان الجيش الفريق حسين فوزي موالين لعبدالاله ونوري السعيد من جهة وبين مجموعة الضباط الموالين لرشيد عالي الكيلاني (وعلى رأسهم العقداء الاربعة صلاح الدين الصّباغ وفهمي سعيد ومحمود سلمان وكامل شبيب). كان للسياسي يونس السبعاوي من الجهة الاخرى وكان كذلك لمفتي القدس الحسيني ادوار في هذا الصراع.
تفاصيل ما حدث في سنة ١٩٤١ هي خارج صدد هذه المقالة ولكن تدخل الجيش أدى الى هرب عبدالاله ونوري السعيد والملك الصغير فيصل من بغداد وتشكيل حكومة الإنقاذ الوطني برئاسة رشيد عالي ثم عودة عبد الاله ونوري السعيد للحكم بمساعدة الجيش البريطاني في محورين من البصرة والحبانية وهرب بعض قادة الانقلاب الى خارج العراق.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة