الدروس الخصوصية

لم يبق أحد لم يلتحق بكرنفال الاصلاح والتغيير والتمسك بعروة التكنوقراط وغيره من مستلزمات الفزعة الاخيرة لمواجهة حيتان الفساد والاجرام والارهاب التي قضمت اليابس والاخضر على تضاريس هذه البلاد المنكوبة. الجميع ضد الفساد وضد اللصوص، في الوقت الذي يلهث المحظوظون منا خلف حيتان الدروس الخصوصية ليعهدوا ابناءهم من طلبة الصفوف المنتهية اليهم، عسى ان يتمكنوا من الحصول على معدلات تساعدهم في الدخول الى الكليات المرجوة. طبعاً لا يمكن العتب على اولياء الامور المقتدرين مادياً أو المضطرين لذلك برغم ظروفهم المادية الصعبة، من اللجوء لذلك الخيار، فوضع المدارس والتعليم بحال يرثى له على شتى الاصعدة (سياسة وملاكات وابنية ومناهج وفلسفة..)، مؤسسات تعليمية لم تعد بمقدورها تقديم غير الحطام لمجتمع هو بأمس الحاجة الى تعليم ومعارف وقيم تنتشله من كل هذه الآفاق الموصدة والمرعبة المتربصة به.
جميع تجارب المجتمعات والدول التي اكرمتها الاقدار بالمكانة اللائقة بين الامم؛ تشير الى انها وجدت طريقها ذاك، عبر الامساك بالحلقة المركزية لكل اصلاح وتغيير، الا وهو المدرسة الحديثة والتعليم المترع بقيم الحداثة والتعددية والتقنيات الحديثة والايثار بعيداً عن موروثات اللصوصية والشراهة وضيق الافق. ان انتشار ظاهرة الدروس الخصوصية وما يرافقها من مناخات ابتزاز التلاميذ واسرهم، عبر الاجور الخيالية لكل درس وخاصة للمرحلة الاعدادية وصفوفها المنتهية، والتي تتراوح بين الـ 600 الف دينار الى المليون دينار للدرس الواحد، وهذا يتطلب دفع ما لا يقل عن أربعة ملايين دينار لكل تلميذ، وهو مبلغ يقصم ظهر ميزانية الاسر متوسطة الدخل، ويشير الى المستويات الواسعة التي وصل اليها الفساد في الدولة والمجتمع وروحها أي التعليم وملاكاته ومؤسساته. لقد انخرط عدد غير قليل من شريحة المدرسين الخصوصيين في ماراثون الربح الفاحش والثراء السريع الذي انطلق بعد زوال حقبة الحصار والاستبداد، واصبحت تنافس شريحة الاطباء والصيادلة وبقية المهن التي تورمت على حساب الشرائح الاخرى التي لم تهبها الاقدار مثل تلك المواهب التي تبيض ذهباً من دون المهن الاخرى.
ان استفحال ظاهرة الدروس الخصوصية كما غيرها من الظواهر السلبية التي غزت تفاصيل حياة سكان هذه التضاريس المستباحة بكل انواع الشراهة وماراثونات الثراء السريع على حساب ما يفترض انهم شركاء وطن واحد؛ تعكس حجم الخراب والانحطاط الذي انحدرت اليه المؤسسة الأهم والأخطر في حياة المجتمعات والدول، أي التربية والتعليم وحقول المعرفة، والتي لم تحظ بأي التفاتة جدية من قبل المخلوقات والكيانات التي تلقفت حطام الغنيمة الازلية بعد “التغيير”. لا أحد منهم يلتفت الى ما ادركته الامم الحرة من مغزى وشحنات لمقولة (الانسان أثمن رأسمال) والى جعل الاستثمار في المعرفة كمحور اساس في الاستثمار والنشاط الاقتصادي والاجتماعي. ان المواجهة الفعلية لاخطبوط الارهاب والفساد، لا يمكن ان تحصل من دون نضج مشروع واسع وشامل لاعادة بناء مؤسسات تعليمية تضع نصب عينيها مهمة انتشال الاجيال الحالية والمقبلة من هذا الواقع المزري وتقاليده المغايرة لحرية الانسان وكرامته، والابحار بعيداً عن كل هذا الارث من اللصوصية ونهش بعضنا للبعض الآخر..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة