الأخبار العاجلة

الأنبياء والأولياء لا وطن لهم

كثيراً ما يردد سدنة الطوائف والاديان عبارة (هذا بلد الانبياء والاولياء) كي يطوبوه لصالح مشاريعهم العقائدية والسياسية والاقتصادية الضيقة. فالعراق على سبيل المثال هو البلد الاول لهم، ولذا عليه ان يكون على الصورة التي لا يخجل منها الانبياء والاوصياء طبقاً للفهم السائد بين من نصب نفسه وكيلاً عنهم وعن كل ما صدر عن السماء من شرائع وفرامين. لكن لا أحد منهم يتجرأ على مواجهة البديهية المعروفة عنهم، بوصفهم (الانبياء والاولياء) عابرين لكل الحدود والتضاريس الجغرافية منها والفكرية، حيث رسالاتهم السماوية لا تميز بين عيال ومخلوقات الله، كما حصل بعد رحيلهم على يد من تقمص دور الوكالة عنهم وعن سكان السماء. في مثل هذه الاوقات العصيبة والمريرة التي يعيشها العراقيون مع احد ابشع التجارب المتلفعة برداء الدين ونصوصه وأزياءه وايقاعاته (عصابات داعش والمتجحفلين معها باساليب وغايات)؛ يجدون انفسهم وسط سيل من الحملات المنظمة لانتهاك ابسط حقوق العيش الحر والكريم خلف ذرائع الدفاع عن طهارة وطن الانبياء والاولياء. وبالرغم من ان الدين الاسلامي نفسه قد وضع حداً لوصاية السماء، الا ان السدنة ومقاولوا السماء ما زالوا متشبثين بالسلطة والوصاية التي منحوها لانفسهم في هذا المجال، لأسباب لا علاقة لها بالسماء والعالم الآخر كما تعرفنا على ذلك، بشكل سافر وفاضح فيما نضح عن حقبة الفتح الديمقراطي المبين. لقد أكدوا عبر شراهتهم اللامحدودة للسلطات والامتيازات الدنيوية، ما دونه طيب الذكر نصر حامد ابو زيد في مؤلفه الشهير (مفهوم النص.. دراسة في علوم القرآن) عن علاقة هؤلاء السدنة واهتمامهم بسلطة النص لا النص كما يدعون.
كل هذه المجازر والدماء التي سفكت والاعراض التي انتهكت والحقوق التي محقت؛ لم تكن من اجل الله بكل تأكيد، حروب ونزاعات تحمل كل هذا الحقد والاحتقار والاذلال لمن حاولت السماء تكريمه، لا يمكن ان تنسجم مع مشيئة الله وقوانينه التي لا يمكن ان تكون أقل انصافاً من الشرائع الوضعية التي انتصر فيها الانسان لكرامته ومكانته وحقوقه المشروعة. لقد عرت الموجة الجديدة من الحروب والنزاعات، بما انحدرت اليه من مستويات همجية واجرامية في التعاطي مع الآخر المختلف؛ عن مدى غربتها عن حقائق العيش في عالم اليوم، وحجم الدمار الذي الحقته بامن واستقرار المجتمعات البشرية. ومن سوء حظ سكان اقدم المستوطنات البشرية (العراق) ان يتحول الى اكبر حقل لمثل هذه التجارب التي تحاول عبثا اعادة الروح لمؤمياءات التاريخ الغابر.
هذا الوطن القديم (العراق) يستحق ادواراً ومشاريع غير هذه التي تمددت وتسللت اليه من دون وجه حق. هو بالتاكيد لا يستحق كل هذه الاساءات التي توجه اليه من مثل هذه الخطابات المتهافتة فكريا وقيميا، والتي لا تفهم من سيرة الانبياء والاوصياء غير كونها اضخم واقسى هراوة يشهرونها على رؤوس عيال الله الحريصون على عقولهم وفطرتهم السليمة. العراقيون يستحقون ادواراً تكون امتدادا لكل ذلك الارث المتوهج من الخلق والابداع والذي عكسته رقمهم الطينية وباكورة المدونات التي مدت جسورا بين الارض والسماء.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة