العرب وتركيا.. تحديات الحاضر ورهانات المستقبل

-مجموعة مؤلفين –
إذا كانت العلاقات بين العرب والأتراك تضرب عميقاً في التاريخ، فهي لم تعرف يوماً مساراً ثابتاً، بدءاً من مرحلة الهيمنة التركية من خلف الخلافة في أواخر العهد العباسي ، الى ظهور دولة السلاجقة على أقسام من الجغرافيا العربية، وصولا الى بزوغ عهد السيطرة العثمانية على امتداد أربعمئة سنة بين عامي 1516و1918.
غير أن ما كان بعد هذا التاريخ، اختلف جذرياً عن كل ما سبقه. لم تعد العلاقات بين قوميتين مسلمتين في إطار دولة ” الأمة الدينية” بل غارت في خيارات متباينة في معظم الاتجاهات.
مجموعة كتاب ساهموا في إعداد فصوله ولأهمية الطروحات اختارت ” الصباح الجديد” أن تنشر بعض تلك الرؤى والأفكار
الحلقة 5
ومهما يكن من أمر فان العرب المسلمين وجدوا في الولايات العربية في العهد العثماني مجالا لهم في قطاع الوظائف الدينية فهذا القطاع مثل عبر مراتب الافتاء والقضاء وامانة المساجد وغيرها من الوظائف الدينية احد مجالات التعبير عن السلطة المحلية في الولايات العربية اذ كان المفتون والقضاء بمعظمهم وفي اكثر الاحيان من السكان المحليين.
ولعل هذا ما سمح بقيام تنظيم للمدينة الاسلامية يوازن ما بين المؤسسة العسكرية للحكم العثماني (الوالي والحاميات العسكرية) والمجتمع الاهلي الديني وذلك عبر التنظيم الديني الذي يأتي في مقدمة المفتي ونقيب الاشراف والقاضي الذي هو الحاكم الشرعي للمدينة لقد ادى الحاكم الشرعي قبل استحداث التنظيمات العثمانية ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر مهمات سلطوية عديدة ومتنوعة.
ففي قراءة منهجية لسجلات محكمة طرابلس الشرعية في القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر يستنتج صاحبها ان المهمات المتعددة الملقاة على عاتق الحاكم الشرعي كانت واسعة جداً وقام بمهام قاضي الاحوال الشخصية والقضايا المستعجلة ومحكمة التجارة والاستئناف والجزاء والجنايات اضافة الى ان محكمته كانت ديواناً للمظالم أي المحكمة التي تنظر في الدعاوي على الحكام وادى ايضا وظيفة قاضي العسكر وواقع الامر ان وظيفة الحاكم الشرعي كانت اوسع من ذلك فهو الذي يوجه منازعاتهم كما يشرف على الاوقاف ويعين المتولين عليها ويظهر لنا ان الحاكم الشرعي كان صلة الوصل بين الوالي والاهالي في ما يختص بشؤونهم وانفاذ اوامر حكام السياسة.
صحيح ان هذه المهمات السلطوية تتمحور حول القاضي بيد ان هذا التمحور يمثل نقطة التوازن بين الوالي بصفته استمرار لنظام السياسية العثماني (الاقطاع العسكري) وشبكة من الحلقات المتداخلة في التنظيم الديني الذي يحتضن انشطة وفعاليات المجتمع في المدينة من علماء (رجال دين) واشراف وحرفيين وتجار.
فشبكة العلماء ومريديهم تتكون من مجموعة واسعة من الافراد من خطباء المساجد وائمتها الى المؤذنين والقوام والخدمة والقراء والوعاظ الى المؤدبين والتربدارية اي خدمة الاضرحة والمزارات والمقابر وهؤلاء ان كان القاضي يعينهم ويجئون مداخيلهم من خلال الاوقاف التي هي تحت سلطته الا انهم لم يكونوا جهاز حكوميا ملحقا بالادارة المركزية فقد كانوا يمارسون عملهم هذا الى جانب وظائفهم التي يختارون لها اعمالا وحرفا مختلفة وسبب ذلك ان المداخيل المخصصة لم تكن كافية وان الاسلام نفسه لا يدعو الى قيام مثل هذا الجهاز المستقل عن المجتمع بل على العكس فان مفهوم العلم والعلماء في الاسلام يستتبع انفتاحا كليا على الجماعة والامة وبالتالي على المجتمع حيث ينتظم العالم الفقيه في الجامعة جزءا عضويا فيها ويقدم العلم للاخرين كواجب من واجبات المسلم.
وتتألف فئة الاشراف في التنظيم الاهلي الديني من العائلات ذات الانساب الشريفة التي تعود في نسبها الى اهل البيت وهذه العائلات انتظمت منذ القديم في اطر علاقات الفربي عملا بالحديث الشريف اعرفوا انسابكم تصلوا ارحامكم فانه لاقرب بالترميم اذا قطعت وان كانت قريبة ولا بعد بها اذا وصلت وان كانت بعيدة وكان ان تثبت هذه الاطر في الدولة السلطانية على اساس مبدأ الولاية اذ يحدثنا الماوردي في الاحكام السلطانية والولايات الدينية عن ولاية النقابة على ذوي الانساب فيقول وهذا النقابة موضوعة على صيانة ذوي الانساب الشريفة عن ولاية من لايكافئهم في النسب ولا يساويهم في الشرف فيكون عليهم احبى وامرهم امضى وولاية هذه النقابة تصح من احدى ثلاث جهات: اما من جهة الخليفة المستولي على كل امر واما من نقيب عام الولاية فاذا اراد الموالي ان يولي على الطالبين نقيبا او على العباسيين نقيبا يخبر منهم اجلهم بينا او اكثرهم فضلا واجزلهم رأيا فيولي عليهم لتجتمع فيه شروط الرياسة والسياسة فيسرعوا الى طاعته برياسته وتستقيم امورهم بسياته.
واللافت للنظر في طبيعة السلطة الاهلية التي كانت للاشراف هو ارتكازها محليا على هياكل اجتماعية واقتصادية تؤطر المجموعات السكنية في المدينة وقد سمحت علاقة الاشراف باصحاب الحرف وبانشطة السوق نظراً لوجود الاشراف بين الحرفيين ونظراً الى احتلال بعض افراد هذه العائلات منصب مشيخة بعض الطوائف الحرفية او ممارستها التجارة المحلية في المدينة (سمحت) بايجاد نوع من الهياكل التنظيمية والقواعد الاجتماعية السياسية التي كانت في اساس ممارسة السلطة المحلية والتي قامت بدورها على علاقات الحماية والمتآصرة والتساعد في اطار الطوائف الحرف اوشبكة علاقات القرابة في الحي.
صحيح ان شيخ الحرف وشيوخ الحرف كان يعينهم القاضي لكن ثمة ارادة ذاتية محلية كان يعبر عنها التنظيم الاجتماعي- الاقتصادي المحلي عبر اختيار شيخهم المناسب فمن دراسة لطوائف الحرف والصناعات في حماة في القرن السادس عشر اعتمادا على سجلات المحكمة الشرعية نتستنتج ان شيوخ حماه وهو شيخ مشايخ الحرف كلها او شيخ التجارة كان يعين باجماع التجارة في سوق التجار ويشترط فيه ان يكون صاحب دين واخلاق اهلا للمشيخة لائقا بها ان يختاره ويرضى به كامل التجار وان يوافق القاضي والسلطان على تعيينه وكانت مهمه هذا الشيخ تشمل الاشراف على كل الطوائف الحرف ومشايخها ويقوم بصلة الوصل ما بين الوالي والقاضي من جهة وهذه الطوائف من جهة اخرى ولا يحصل أي تغيير فيها الا بعلمة ورأية: او كان مشايخ الحرف كلهم ينتخبون بحضوره ويزكون يتزكيته.
اما سلطة شيخ الطائفة فكانت تشمل ادارة شؤون ابناء الطائفة والاهتمام بمشكلاتهم والاشراف على تنفيذ اتفاقاتهم والطلب من القاضي تسجيل هذه الاتفاقات وكان يرفع شكاوى الطائفة على طائفة اخرى الى القاضي بنفسه وكان الوالي يتصل بالطائفة عن طريقه.
ومهما يكن من امر اصول هذا التنظيم الحرفي الذي استمر في المدينة الاسلامية حتى مطلع القرن العشرين فان مايهمنا التشديد عليه في الجانب الاجتماعي- السياسي هو مايقدمه هذا التنظيم من معطيات في الفكر والممارسة في مجال السلطة الاهلية ففي هذا المجال تبرز الطرق الصوفية والحركات الباطنية في الاسلام صيغا تنظيمية وفكرية تتماثل مع الكثير من التقاليد الحرفية فسرية المهنة واخوية العلاقة بين رفاق المهنة تذكر ان بتنظيم حركات العامة الموالي في المدن والحركات الباطنية السرية واخلاقيات الفتوة واعطاء مجالس الترفيع (الشد) طابعاً رمزياً من خلال الحركات والرموز والاشارات وحلقات الذكر لايذكر فحسب بالطرق الصوفية بل يستدعيها ويستحضرها في الانتماء والممارسة الطقسية فتتقاطع الجرف معها من حيث تراتيية مراحل المعرفة عند المريد، وتتوزعها من حيث تعدديتها الاجتماعية وأشكال التعبير فيها.
ومن هذه الطرق التي عرفتها بلاد الشام: الطريقة الرشيدية والرفاعية والقادرية والشاذلية والدندراوية والبدوية والمولوية والنقشبديدة والبكتاشية
وقد كان لهذا الطرق زوايا وتكايا يدبرها ويشرف عليها شيخ الطريقة. ومن خلال تعداد محمد كرد علي لهذه الزوايا والتكايا في كل من دمشق وحلب والقدس وبعض المدن الصغرى الاخرى في بلاد الشام، نستنتج أن توزيعها الجغرافي في الاسواق والحارات، يعكس الصورة الاجتماعية للعلاقات السياسية القائمة داخل المجموعات الاجتماعية، والمتمحورة حول تلك المراكز التي تتقاطع فيها طرق الصوفية، وطوائف الجرف ومواقف سكان الحارة وأهل السوق.
يقول جب هاملتون وهارولد بوون في الدور السياسي الذي يؤديه هذا التقاطع بين الطائفة الحرفية والطريقة الصوفية في التعبير عن الموقع الاجتماعي للسكان ما يلي: “وكانت الطائفة تخدم عدة أغراض فقد كانت توفر الوسيلة التي تمكن أقل المواطنين شأنا من التعبير عن غرائزه الاجتماعية والاطمئنان الى مكانته في النظام الاجتماعي. وكانت الحال الذي يمارس في حق المواطنة: فهو وإن لم يكن يستدعى إلا نادراً لكي يلعب أي دور في الحياة السياسية الخارجية. إلا أنه من الناحية المقابلة كان في مأمن من أن يتدخل حكامه السياسون في شؤونه إلا بنحو طفيف، إذ كانوا بوجه عام يحترمون استقلال الطوائف وطرائقها التقليدية. ومما كان ينمي الوظيفة الاجتماعية للطوائف، ليس كلها بل معظمها وبخاصة طوائف الحرف، ما لها عادة من ارتباطات مع احد الطرق الدينية الكبرى”.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة