هل استثنى قانون العفو جرائم الإرهاب والفساد؟

سلام مكي
كاتب عراقي
اكثر ظاهرتين يعاني منه العراق هما الارهاب الذي يقتل عشرات العراقيين يومياً والفساد الذي جعل العراقيين يعانون الفقر والجوع، ونقص الخدمات واسهم بتحويل اموال البلد الى جيوب فئة صغيرة جداً، تنفقها في الخارج على ملذاتها ونزواتها. ونتيجة لاتساع هاتين الظاهرتين وكثرة الارهابيين والفاسدين، تم استحداث مؤسسات واجهزة لمكافحة الفساد وجهاز لمكافحة الارهاب اضافة الى الاجهزة التي كانت موجودة في السابق. والدولة صرفت كل ما تملك من اموال في سبيل القضاء عليهما، واعطت مئات الشهداء من الشرطة وقضاة ورجال امن وجنود، كلهم ضحوا بحياتهم لأجل القضاء على الارهاب والفساد. اليوم قامت الكتل السياسية بعمل بطولي نادر تمثل بإعطاء عفو عام يؤدي الى سقوط العقوبة وانتهاء المطالبة القضائية ضد كل من ادين ومازالت قضيته قيد التحقيق او المحاكمة.
ولكن السؤال الأهم هنا: هل شمل القانون جريمتي الارهاب والفساد؟ هل الارهابي الذي قتل العراقيين مشمول بالعفو؟ هل الفاسد الذي سرق اموال الدولة مشمول بالعفو؟ هذه اسئلة مهمة يجب طرحها لمعرفة اين تسير بنا الكتل السياسية وهل ان الغاية من هذا القانون هو فعلا اشاعة روح التسامح والاصلاح في المجتمع؟ ام هناك غايات سياسية مضمرة لا يصرح بها احد في الاعلام؟ بالعودة الى نص القانون الذي يبدو ان هناك استعجالا واضحًا في نفاذه، فهو نص على انه ينفذ من تاريخ اقراره في مجلس النواب وليس من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية كما في غيره من القوانين، نجد انه وضع استثناءات، لم يشمل بموجبها بعض الجرائم به، مثل جريمة الارهاب والخطف والاختلاس وسرقة اموال الدولة واهدار المال العام عمداً! هذه النصوص تبدو لنا في الظاهر ان في طياتها اجابة عن سؤالنا حول شمول الارهاب والفساد في العفو، اذ انهما غير مشمولين بالعفو، وبالتالي على العراقيين ان يطمئنوا ان من سرق اموالهم وقتلهم سيبقى في السجن ولا يخرج ليسرق ويقتل مرة اخرى.
لكن لو جئنا الى قراءة تلك النصوص قراءة ثانية لوجدنا انها تتضمن ابواباً عديدة للنفاذ من العقوبة، ابواب حص المشرع على رسمها بعناية ودقة، بين جدران السجن لكي يخرج الارهابي والفاسد والقاتل وكل من تلطخت يداه بالمال والدم العراقي. فكل جريمة وضع لعدم شمولها بالعفو شروطا وصاغ لها عبارات فضفاضة يمكن تفسيرها تفسيرات مختلفة وكلها تصب في خدمة المدانين والشك يفسر لصالح المتهم كما تنص القاعدة القانونية على ذلك.
وحتى لو ثبت للجنة المشكلة لغرض تنفيذ قانون العفو ان المدان غير مشمول بالقانون بأي حال من الاحوال، ثمة نصوص آُخر تتجاوز الاستثناءات وتمنح القاتل الارهابي والفاسد الذي ثبت للقضاء سرقته اموال الدولة وتعمده اهدار المال العام فرصة كبيرة للشمول بالعفو. فالمادة 10 التي تنص: للمحكوم عليه بجناية او جنحة بمن فيهم مرتكبو الجرائم المستثناة بالمادة 5 من احكام هذا القانون ادى انتزاع اعترافه بالإكراه او على اقوال المخبر السري او اعتراف متهم اخر الطلب من اللجنة المشكلة في الفقرة ثانيًا من هذه المادة تدقيق الاحكام والقرارات الصادرة في الدعاوى التي اكتسبت قراراتها الدرجة القطعية او قيد التدقيقات التمييزية تدقيق الاحكام من الناحيتين الشكلية والموضوعية والطلب بإعادة المحاكمة.. هذه المادة نافذة مفتوحة يمكن لأي ارهابي وفاسد المرور من خلالها الى الحرية.
فهناك الكثير من الارهابيين الذين حكم عليهم بموجب المخبر السري علمًا ان المخبر السري نص عليه قانون اصول المحاكمات الجزائية ووضع له ضوابط واسساً قانونية، تنضم عمله، فاذا كانت الكتل السياسية ترى ان المخبر السري طريق غير سليم للقبض على الارهابيين يمكنها ان تعدل القانون وتلغيه نهائياً. كما ان الارهابيين اغلبهم يعترفون على بعضهم في اثناء سير التحقيق وان اغلب الشبكات التي تم القبض عليها كانت نتيجة لوشاية احد اعضائها الذي القي القبض عليه من قبل القوات الامنية. ثم ان هذه المادة تعد تدخلا سافرًا في عمل القضاء وتشكك بكل اجراءاته وقراراته وتتدخل حتى في الاحكام التي اصدرتها وانفقت بسببها المال والوقت والجهد واعطت شهداء وجرحى من قضاة وموظفين حقوقيين.
ثم ان اعادة المحاكمة قد تم تعديل احكامها قبل اشهر قليلة بعد نشره في الجريدة الرسمية وهو تعديل قانون الاصول الجزائية ولا يمكن ان يأتي قانون آخر ليجبر المحكمة على اجراء اعادة محاكمة في غير الاحوال التي نص عليها تعديل القانون. وهناك مخالفات واشكاليات قانونية ودستورية كثيرة لا يمكن السكوت عنها، وان القضاء هو الجهة الاكثر تضرراً من هذا القانون، لذا ينبغي على السلطة القضائية ان ترفض هذا القانون في الاقل تطعن به امام المحكمة الاتحادية، كونه يقلل من قيمة الاحكام التي اصدرتها اضافة الى اشكالياته الكثيرة. وللأسف ان الاجابة عن السؤال اعلاه: نعم، القانون شمل الفاسدين والارهابيين بالعفو، وسيخرجون قريباً لممارسة نشاطاتهم مجدداً.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة