السياسة الخارجية الخطيرة لترامب إزاء «الدولة الإسلامية»

فواز جرجيس
أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية.
إدعاء دونالد ترامب في الآونة الأخيرة أن منافسته في السباق الرئاسي الأمريكي، وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون، والرئيس الأميركي باراك أوباما أسسا ما يسمى بالدولة الإسلامية «داعش» هو بمنزلة هراء. وهو أيضا شيء مضحك: إذا كان أي شخص في الولايات المتحدة قد ساعد تنظيم داعش ، فهو ترامب.
في خطابه الأخير حول السياسة الخارجية، قدم المرشح الرئاسي للحزب الجمهوري خطته المفترضة للقضاء على تنظيم داعش بأسلوب ترامب الكلاسيكي، المليء بالتناقضات والتقلبات، من دون إعطاء تفاصيل ولا حقائق. في حين تقدم بتوصيات غير قابلة للتطبيق تماما – مثل جعل المهاجرين من الدول الإسلامية يجتازون فحصاً أيديولوجيا قبل دخول الولايات المتحدة – وحاول أن يقدم نفسه على أنه واقعي، والشخص الوحيد الذي يمكن أن يُنقذ السياسة الخارجية الأميركية.
ومن المميزات المركزية لنهج ترامب «الواقعي» استعمال القوة العسكرية في سوريا أكثر بكثير مما تقوم به إدارة أوباما. وأعلن ترامب أن هذا النهج من شأنه «سحق وتدمير» الدولة الإسلامية. في الواقع، مثل هذا التدخل العسكري سيصُب الزيت على النار.
بطبيعة الحال، لا يفهم ترامب ذلك. وعلى الرغم من تصريحاته الغريبة أنه يعرف عن الدولة الإسلامية أكثر من جنرالات أميركا ، فهو يجهل تماما الديناميكيات المعقدة في الشرق الأوسط والتخندق الطائفي والحروب الإقليمية والدولية بالمنطقة. وكما تُظهر مزاعمه حول كلينتون وأوباما، فهو يجهل كيف أو من أين برزت الدولة الإسلامية.
والحقيقة أن تنظيم داعش هو نتيجة صراع داخل الإسلام، وليس بين الإسلام والغرب. هذا لا يعني أن السياسة الخارجية الغربية – على وجه الخصوص الأميركية – لم تلعب دورًا رئيسيًا في صعود تنظيم القاعدة في العراق. لقد مزق غزو العراق عام 2003 بقيادة الولايات المتحدة المجتمع العراقي الهش أصلا، ودمر مؤسساته المحلية، بما في ذلك الجيش وحزب البعث الحاكم، وأطلق العنان لعنف الصراع الطائفي على السلطة. كما فتح الغزو المجال للجماعات الجهادية – أولا تنظيم القاعدة في العراق، والآن الدولة الإسلامية ، التي هي امتداد لتنظيم القاعدة لكن بجهاز عسكري أكثر فعالية يقوده ضباط الجيش العراقي السابق.
وحدثَ شيء مماثل في سوريا، بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية في عام 2011 ضد نظام الأقلية لبشار الأسد. ونزل السوريون إلى الشوارع، وقد تأثّروا بالحراك الثوري في تونس ومصر، مطالبين بمزيد من الحرية والعدالة والتمثيل السياسي في الحكومة.
لكن الأسد، الذي يتمتع بدعم إيران القوي، رفض التراجع، وحاول قمع الانتفاضة بالقوة الوحشية. وصارت سوريا مسرحاً للحرب الأهلية التي دمرت مؤسسات الدولة وعمقت الصراع المذهبي. وانتهز الجهاديون الإسلاميون السنة الفرصة لتقوية صفوفهم من خلال استقطاب وتجنيد الشباب الغاضب واليائس، أغلبهم من المناطق الريفية.
وفي استغلال لهذا الانقسام العميق بين السنة والشيعة، برز قادة داعش كمدافعين عن جميع المسلمين الحقيقيين ضد أعداء الإسلام الايديولوجيين والدينيين ، بما في ذلك الغرب. ويبدو أن ترامب قد سقط فريسة لهذا الخطاب.
وظنا منه أن الحرب ضد الدولة الإسلامية صراع أيديولوجي بين «الإسلام المتطرف» والغرب على غرار الحرب الباردة ، يختزل ترامب أزمة معقدة في سرد ثنائي. بل يردد الأطروحة نفسها التي يستعملها جهاديو ما يسمى بالدولة الإسلامية لكسب الدعم. ولا غرابة أن المواطنين المسلمين ، الذين يرفضون بكل صدق الأيديولوجية العدمية لداعش، يدينون خطاب ترامب البسيط، الذي يغذي الخوف من الإسلام. ولكن، بالنسبة لأبي بكر البغدادي، أمير الدولة الإسلامية المُعين، ورفاقه، تُعد أفكار ترامب بمنزلة موسيقى لآذانهم.
وما يزيد الأمور سوءا هو مقارنة ترامب لمكافحةداعش بالمعركة ضد الاتحاد السوفياتي، الشيء الذي يرفع من مكانة التنظيم كمنظمة إرهابية إلى مستوى قوة عظمى. وهذا يسهم في التصورات التي توحي بأن الدولة الإسلامية أكثر فعالية بكثير مما هي عليه في الواقع، متبنياً مرة أخرى الأطروحة الداعشية.
وقد أعرب ترامب أيضاً عن رغبته في التعاون مع روسيا للقضاء على داعش، غافلا على ما يبدو أن مشاركة روسيا في سوريا تهدف إلى دعم نظام الأسد أساسا. ويمكن لهذه الشراكة أن تدفع ترامب لعقد صفقة مع إيران، التي هي على استعداد لمحاربة المتطرفين السنة في العراق وسوريا. وسمحت إيران الآن لقاذفات روسية بعيدة المدى باستعمال إحدى قواعدها الجوية لضرب سوريا، مما عقد جهود أوباما المضنية للتوصل إلى تفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أجل إنهاء الحرب الأهلية. كما عبر ترامب عن استعداده للتعاون مع الأسد لهزم الدولة الإسلامية.
وتثير الجهود التي تبذلها الجهات الخارجية الفاعلة للحفاظ على الأسد في السلطة حفيظة العديد من السوريين وغيرهم من المسلمين السنة، مما يصُب في صالح قادة الدولة الإسلامية. وإذا بدأت الولايات المتحدة تُقيم علاقات تعاون أوثق مع الدول الرائدة في المنطقة (روسيا وإيران والصين الآن، التي بدأت تُدرب القوات السورية)، فإن الوضع سيزداد تدهورًا، إذ من شأن هذا الإجراء تقويض علاقات أميركا مع حلفائها وشركائها في الشرق الأوسط.
لقد حان الأوان أن تستجيب الولايات المتحدة لآمال وتطلعات الشباب المسلم الذي يحلم بمستقبل أفضل. وهذا يتطلب استثمارًا دبلوماسياً واجتماعياً كبيراً من جانب الولايات المتحدة والمجتمع الدولي للمساعدة في إخماد الحرائق المشتعلة والحروب الأهلية الطاحنة في العالم العربي، وإعادة بناء مؤسسات الدولة المترهلة، وإقامة حكومات وحدة وطنية.
فآخر أمر تحتاجه منطقة الشرق الأوسط هو تكرار الأخطاء الكارثية للسياسة الخارجية الأميركية هناك. وهذا بالتحديد ما يعتزم ترامب القيام به إذا وصل إلى البيت الأبيض.