إسماعيل فتاح الترك.. التوقّد أزاء الرداءة

بغداد ـ الصباح الجديد:
تستذكر الحركة التشكيلية في العراق أحد أبرز أعلام النحت في العالم العربي.. بل والدولي، الفنان إسماعيل فتاح الترك، الذي رحل في العام 2004، مصمم نصب الشهيد في بغداد، الذي يعد من أهم وأبرز الأعمال الفنية التي نفذها الترك، حيث اتسم العمل بعبقرية معمارية وتصميم الفني رصين، وقد بني على شكل قبة عباسية مفتوحة بشكل يباعد بين نصفيها غير المتقابلين، والراية التي ترتفع بطول خمسة أقدام فوق الأرض وتغوص ثلاثة أمتار تحت الأرض حيث تشاهد على شكل ثريا، والينبوع الذي يتدفق ماؤه إلى داخل الأرض ليرمز إلى دم الشهيد.. ويرمز النصب الذي أقيم عام 1986 إلى تضحية الشهيد في سبيل وطنه ومبادئه.
وضمن إصدارات السلسلة الثقافية لدائرة الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة، نقرأ، للناقد عادل كامل كتابا عن النحات الراحل إسماعيل فتاح الترك تحت عنوان “من ديموزي إلى عصر العولمة.. مشفرات الموت وأطياف الحرية”.
فقد رأى الناقد “إذا كان جواد سليم علامة للحقبة التي كادت تستكمل عصرها الريادي، قبل أن تؤثر موارد النفط على التنمية البشرية، بالإيجاب قليلاً، وبالسلب في أكثر الأحيان، فان إسماعيل فتاح، الذي كان أحد علامات جيل ما بعد 1958، أدرك بعمق –ورهافة- أن حرية الإبداع تتطلب عودة دائمة إلى مشروعات الإنسان إزاء الغياب”.
ويعرج الناقد إلى الدروس الأولى للترك “أستأثرت حياة وأفكار وتجارب إسماعيل فتاح الفنية بمشروعات جيل مازال يتلقى دروس الرواد في أكاديمية الفنون الجميلة، بتفكيك أسئلة بدت لنا أنها تنتمي إلى أزمنة خلت،… كان إسماعيل فتاح، هو الذي وجد فينا ما يشغله، الحرية إزاء الموت، والبصر إزاء العتمة، والتوقد إزاء الرداءة، فجرجرنا إليه،…
إنما ثمة براءة مخبأة لم تدع إسماعيل فتاح إلا أن يصبح مستبداً في مواجهة هذه الإشكالية، طفولة لم تكتمل إلا لأنها لم تدمّر، ولم تصبح وثناً أو صنماً، فراح مع عدد من النحاتين والرسامين والمولعين بالتمرد يحث خطاه في حفريات أراها -بعد أكثر من أربعين سنة- تجدد ذات النزعة التي اكتشفناها في سومر، خروج ديموزي من الظلمات لتدشين ما هو في مواجهة تهديدات دائمة بالانجراف إلى المجهول”.
ويسلط الناقد عادل كامل، الضوء على الانشغالات الفلسفية للنحات الترك حيث أكد أنه “منذ وقت مبكر انشغل إسماعيل فتاح بمحركات الفن بصفتها غير مطلقة، لكن هذا لم يوقعه في وهم التعريف للأسلوب أو للهوية، فالمتحرك في رؤيته قاده للانتقال من المألوف أو التقليدي إلى نقيضه.
فعندما أقام معرضه الشخصي الأول في بغداد، في أواسط ستينات القرن الماضي كانت فاتحة عهد لجيل مغاير للرواد لعوامل مركبة (عالمياً/عربياً/عراقياً)، كي يمتلك الخطاب الفني زمنه، و(خلقه) كما كان يميز هذا المعنى عن الدافع الأخلاقي المتداول، فالنص الفني يتوخى تحقيق انشغالات متعددة لدى الفنان، لا بصفته إعلاناً أو علامات تجارية، بل فناً وقد شذّب كي تتحقق فيه ذات التدشينات المبكرة في الأعمال الشبيهة بالفن لدى سكان المغارات وعند التجمعات السكانية الأولى”.
وفي الموت ونقيضه، يرى الناقد “فإسماعيل فتاح مكث يحدق في الأشكال التي حولتها سيول البراكين إلى فراغات وكأنها تذكره بما جرى لسومر قبل دمارها عندما دكتها حمم البراكين وعجلت بغيابها من التأريخ، لكن للموت، بحد ذاته، مشاهد حسية مباشرة تخاطب الرهافة، الموت قبل الأوان لأي سبب من الأسباب، وكأنه انفصل أو عزل عن جدلية الموت والولادة.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة