الأخبار العاجلة

النزاهة والمهمة المستحيلة

لا أحد يلتفت لهذا العدد الكبير من الرؤساء الذين استهلكتهم أحدى اهم هيئات العهد الجديد المستقلة (النزاهة) من رئيسها الاول القاضي راضي الراضي الذي وجد نفسه بعد وقت قليل مضطرا لطلب اللجوء من بلاد العم سام، الى باقي السلسلة التي وصلت الى السيد حسن الياسري الذي وافق السيد العبادي على استقالته مؤخراً؛ فسلم اولويات من تلقف مقاليد أمور حقبة الفتح الديمقراطي المبين لا يتيح لمثل هذه القضايا التسلل لقائمة اهتماماته. هذا العجز والفشل الذريع لهذه الهيئة في تحقيق الهدف والغايات التي وجدت من اجلها (منع الفساد ومكافحته) منذ العام 2004 الى يومنا هذا، يؤكد وبما لا يقبل الشك؛ على ان الخلل والعيوب تكمن في غير تلك التضاريس التي اهدرت ملاكات ومدونات واجهزة الهيئة وقتها وامكاناتها وجهودها عليها. فما جدوى كل هذه الارقام التي تنشرها الهيئة عن نشاطها وآلاف الملفات التي دونتها عن اخطبوط الفساد الذي يزداد سطوة ونفوذا يوما بعد آخر، حيث ينتظر هيئة النزاهة مشاريع عشرات الآلاف من ملفات الفساد والتي بدورها ستفرخ مئات الآلاف وهكذا دواليك..
العقل البيروقراطي مسكون بالسياقات التقليدية المحدودة، التي لا ترى بمفهوم النزاهة غير جانب واحد فقط؛ الا وهو الحقوقي، من دون التعرف على جوانبه المادية والقيمية الاخرى، لذلك نرى مسؤولية النهوض بمهمة تحقيق النزاهة مطوبة لصالح القضاة والحقوقيين، والذين باعتمادهم لوسائلهم وادواتهم التقليدية قد وصلوا بها الى طريق مسدود، كما شاهدنا طوال أكثر من اثني عشر عام من “التغيير” الذي يفترض به ان يكون حداثويا وديمقراطيا. هذه النقطة التي لم يتجرأ احد من المتنطعين لمثل تلك المسؤوليات من مواجهتها؛ أي اقتراح التشريعات التي تصب في طريق خلق شروط ومناخات تكبح جماح غول الفساد وشبكاته الاخطبوطية، وهي من الوظائف الاساسية لهيئة النزاهة. في مثل هذه المناخات والشروط، حيث لا يتاح للنزاهة وسلسلة رؤساءها المتتالين غير اقتفاء اثر طيب الذكر دونكيشوت ومآثره في مجال محاربة طواحين الهواء، واستنزاف الوقت والجهد والامكانات في مطاردة (البعوض بعيداً عن مهمة تجفيف المستنقعات الآسنة)؛ لن نحصد غير هذا الفشل والاخفاق المؤكد في هذا المجال الحيوي في حياة المجتمعات والدول.
حال النزاهة لا يختلف عن ما جرى مع الحقول الاخرى، فالوضع الامني على سبيل المثال لا الحصر لم تسعفه كل هذه الاعداد الهائلة والموازنات الضخمة التي اهدرت من أجل تحقيق الامن والاستقرار المفقود؛ لان المعركة الحقيقية للأمن والاستقرار لا علاقة لها بكثرة الثكنات والاجهزة الامنية ومنهج العسكرة، بل العكس هو الصحيح، أي الابتعاد عن كل ما له علاقة بهذا النهج (العسكرة) وقيادة المجتمع صوب دروب اعادة بناء الوطن على اسس التعايش والتسويات الشجاعة، القادرة وحدها على خلق شروط العيش الحر والكريم، كما عرفته باقي سلالات بني آدم بعد الحربين العالميتين الاولى والثانية. هذا هو السبيل الوحيد الذي يمقدوره مساعدة العاملين في مجال النزاهة ورؤساءها والاعداد الهائلة من المسلحين والجنرالات وامراء الحرب والعسكر، كي يجدوا طريقهم الى مهن اخرى يكتشفون فيها مواهبهم الفعلية ويستردون عبرها انسانيتهم المهدورة..
الخلل

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة