الأخبار العاجلة

على خشبة المسرح 1

حسام روناسى

عرف عن أغلب الشعوب ومنذ القدم غرامها وعشقها بالقصص والحكايات والأشعار، خاصة تلك التي لعبت فيها الاسطورة بادئ الأمر، دوراً كبيراً ومؤثراً، نظراً لما ضمته من خيال واسع ساعد على استيعابها أكبر حيز من الصور والمشاهد التي دائماً ما كان يفضلها المتابع لها ويعشقها. إلا أن هذا لا يعني أن تلك القصص والحكايات، أو حتى الأشعار، كانت بعيدة عن الواقع، إنما ما امتلكته من أصالة ومعنى كبيرين، وارتباط وثيق بحياة الانسان، كان مشجعاً لإعتلاء تلك القصص وباقي النتاجات الأدبية والفنية فيما بعد، منصة الاهتمام والمتابعة لدى الجماهير التي واكبت على متابعتها ببالغ الحرص والحماس. خاصة تلك النتاجات التي نقلت بصدق معاناة ومآسي الفقراء والمساكين من جهة، وظلم واستبداد الأغنياء والسلاطين من جهة أخرى.
ولو تطرقنا على سبيل المثال الى سبب شهرة رائعة وليم شكسبير، مسرحية «هاملت» أو « مأساة هاملت»، لاكتشفنا أهمية ودور هذه القصص في حياتنا بشكل عام. رغم أن الشخصية لم تكن واقعية بل شخصية خلقها خيال الشاعر، فبقيت حية في النفوس منذ عرفت وحتى يومنا هذا.
فهي، أي الشخصية، وكما عبر عنها الاستاذ جبرا ابراهيم جبرا، أنها من أشد مآسي شكسبير صقلاً وأكملها شكلاً وأكثر تنويعاً وحشداً، وهي وإن اعتمدت في الظاهر على فكرة بسيطة واضحة، إلا أنها جمعت رموز حضارة برمتها، حضارة تعظم الفكر والتساؤل، وتحس بروعة الدنيا وجمالها. وهذا ما كان يبحث عنه شكسبير لإيصاله الى الانسانية.
لذا يمكن القول، إن شخصية هاملت رغم أنها ليست واقعية، إلا أن شكسبير استطاع أن يوظف ما بين خيالية الشخصية وواقعية أحداثها، والتي هي بطبيعة الحال كانت مستمدة من خضم صراعات المجتمع وتناقضاته أغلب الأحيان.
فكانت شخصية هاملت لو تأملناها، قوية شجاعة ذكية جداً، لكنها في الوقت نفسه، لم تكن تعترف بالانتقام ولم تمتلك إزاء أخطاء أو جرائم الآخرين، القدرة على تنفيذ الفعل. وهذا ما ولد صراعاً وجدلاً عند الشخصية، هاملت، هذا الصراع الذي جعل هاملت في نظرنا والى يومنا هذا محط إعجاب، لأنها شخصية كانت ولا زالت شبيهة بأغلب شخصياتنا في كل الاحوال والظروف.
لقد أثرت هذه القصص وغيرها، في إحياء وإنعاش ثقافة المجتمعات وإحداث التمازج بين الأطياف والشرائح، فنتج عنها قاعدة قوية وصلبة، اهتمت في متابعة تطورات ما يؤلفه الكتاب القصصيون، سواء في التأريخ أو في الأدب أو في الدين والتصوف، أو السياسة والفلسفة، وما ضمته أيضاً تلك المؤلفات، من ضروب واسعة في الحكم والعبر، التي صارت فيما بعد بمثابة الإطار الأخلاقي لثقافة الأمم.
ومن هذا المنطلق، كانت ولادة المسرح، مرتكزة كثيراً على هذه النتاجات الأدبية والثقافية والشعرية، الذي أخذ، أي المسرح، يتطور وينتشر على يد كتاب صاروا فيما بعد عناوين بارزة في مسيرة الأدب والفن المسرحي في العالم، والذين لم يختزنوا جهداً أو محاولة في توطيد العلاقة ما بين الاوضاع الاجتماعية والسياسية وأهميتها في نوعية نتاجاتهم وتوجهاتها، ما زاد من تمسك عشاق المسرح بشكل اكبر وأشد.
وهكذا، صار المسرح يناقش قضايا المجتمع، وحلّ الصراعات الفعلية والفكرية، وطرح التصورات المنطقية على شكل حوارات ونقاشات، أسهمت في رفد أجواء التحولات الحياتية ببوادر انفعالات وتحركات شعبية نشطة، اتسقت مع آفاق التقدم الحاصلة في كافة المجالات والصعد، علمياً وأدبياً وفنياً وسياسياً واجتماعياً وثقافياً.
بمعنى، أن المسرحية هي تمثيل صوري للأحداث التي يلتقطها الكاتب من الحياة الانسانية ليعبّر عن تجربة ذات موضوع محدد وينقلها الى الجمهور بوسائل مختلفة من التعبير الكلامي والحركي، وليكشف في نفس الوقت عن كوامن أفكاره ومشاعره.
وكما يقول الدكتور ياسين النصير في كتابه «أسئلة الحداثة في المسرح»: «علينا أن نعيش تحولات المدينة لا أن نسكن في بيوتنا ولا نرى إلا شريط التاريخ والماضي يمر من أمام أعيننا، علينا أن نكون حداثويين بالرؤية وبتكوين الصورة الحية للفعل. وكما يضيف أيضاً: «على مشاهد اليوم أن يذهب الى المسرحية ولديه جملة من المعلومات عن فن العرض المسرحي، وأساليب العرض، وهذا الشرط هو أحد أهم التحولات التي اشتغل عليها المسرح اليوم، فالعرض المسرحي الجديد، لا يوفر كامل المعلومات للمشاهد، بقدر ما يعطيه المفاتيح للتفكير.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة