العفو بين فلسفة العقاب ومتطلبات الاتفاقية الأممية

عبد المناف البهادلي

إنَّ آفة الفساد أخذت تنخر في اقتصاديات الدول وباتت عائقاً كبيراً أمام تقدم وتطوُّر الدول التي تندرج في ما يسمى بالعالم الثالث بل إنها – أي آفة الفساد – أخذت تهدد حتى بعض الاقتصاديات العالمية والدول الصناعية الكبرى، وأصبح بعضها جزءاً من ممرات الفساد العالمية ومرتعاً للأموال المتحصلة عبر عمليات الغسيل بل أصبحت عقاراتها صيداً سهلاً للصوص ومافيات الفساد من جميع الدول، وما المؤتمر الذي عقدته بريطانيا قبل أشهر من العام الحالي إلا خير دليل على ذلك، بعد ورود أسماء شخصياتٍ بريطانيةٍ كبيرةٍ ضمن فضيحة وثائق بنما.
وقد اتخذت الدول التي تفشت فيها هذه الظاهرة العديد من الإجراءات وسنَّت الكثير من التشريعات التي كانت حقاً معالجاتٍ ناجعةً، بل استطاعت أن تنهض ببعض اقتصاديات الدول وتضعها في بداية سكة النهوض والتقدُّم الصناعي، وما التجربة السنغافورية عنا ببعيد.
ولأن العالم أجمع بدأ يتحسس خطر الفساد وما يشكله من آلة مدمِّرة للاقتصاد العالمي، ولما يمثله من وسيلة خبيثة لإشاعة الجهل وتفشي الأمراض وقلة العناية الصحية؛ ونتيجة للقلق الذي يساور جميع الدول حول خطورة ما يطرحه الفساد من مشكلات ومخاطر على استقرار المجتمعات وأمنها، مما يقوّض مؤسسات الديمقراطية وقيمها والقيم الأخلاقية والعدالة، ويعرّض التنمية المستدامة وسيادة القانون للخطر ، اتفقت كلمة دول العالم على سن وثيقة عالمية سميت بــ(اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد).
إن الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد بفصولها وموادها وفقراتها سواء المتعلقة (بالتدابير الوقائية ابتداءً ومروراً بالتجريم وإنفاذ القانون وليس انتهاءً بفصلي التعاون الدولي واسترداد الموجودات) خارطة متكاملة رسمت الطريق الذي يمر به من يريد الحد من الفساد وتحجيم آثاره، وبما أننا اليوم نقترب من جلسة التصويت على مشروع قانون العفو العام لا بدَّ لنا من تسليط بعض الضوء على مواد فقرات الاتفاقية الأممية الخاصة بتجريم مظاهر الفساد ومصاديقه المختلفة والتشريعات التي ينبغي للدول الأعضاء القيام بسنِّها.
ففي الفصل الثالث المُعنون (التجريم وإنفاذ القانون) تندرج عدة مواد، منها المواد (15- – 16 – 17 – 18 – 19 – 20 – 21 – 22 – 23 – 24 …) وكلُّ هذه المواد تُستَهلُّ بعبارة « تنظر كلُّ دولةٍ طرفٍ في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم القيام عمدا، عقب ارتكاب أي من الأفعال… « وحسب الجريمة التي تناولتها تلك المواد وفقراتها ومنها: (رشو الموظفين العموميين الوطنيين، ورشو الموظفين العموميين الأجانب وموظفي المؤسسات الدولية العمومية، اختلاس الممتلكات أو تبديدها أو تسريبها بنحو آخر من قِبل موظف عمومي، والمتاجرة بالنفوذ، وإساءة استغلال الوظائف، والإثراء غير المشروع، والرشوة في القطاع الخاص، واختلاس الممتلكات في القطاع الخاص، وغسل العائدات الإجرامية، وإخفاء ممتلكات أو مواصلة الاحتفاظ بها المتأتية من عائدات جرمية، وإعاقة سير العدالة …) وبما أن العراق انضمَّ للاتفاقية في عام 2007 فينبغي الالتزام بما نصَّت عليه لا سيما في المجال التشريعي وما رمى إليه من غاية وفلسفة، فالفلسفة من تشريع بعض القوانين هي ليست لعقوبة المدانين المجرمين فقط أو الانتقام منهم، وإنما هي وسيلة ردع لكل من تسوِّل له نفسه الاعتداء على المال العام أو ينوي مدَّ يد مخالب المفسدين على أنظمة وقوانين المؤسَّسات الرسمية لمخالفتها وتخريب النظام والأطر الإدارية الصحيحة.
فـــ « وظيفة العقاب في (علم العقاب) لا تتوقف عند الردع الخاص بعقاب المجرم لينتهي، ولكنها تمتد إلى الردع العام، ومن هنا يأتي تقديس مبدأ العلانية، ولهذا لا يكفي أن تقيم العدل، وإنما ينبغي أن يشهدك الناس وأنت تقيمه حتى يرتدعوا» وليس هذا مقتصراً على القوانين الوضعية بل حتى الدينية منها، فقوله تعالى «وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ « وقوله « ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون» وقوله «.. النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص» يستشفُّ منها تلك الفلسفة والحكمة من تشريع القوانين والحدود، وربما الآية الثانية التي استشهدنا بها أكثر وضوحاً ودلالة على ذلك «ولكم في القصاص حياة» فالحياة الإنسانية الآمنة المستقرة التي لا اعتداء فيها على أحدٍ من مقدماتها سنُّ قانون القصاص من القتلة المجرمين؛ ليكونوا عبرة لكلِّ من ينوي أن يقترف هذه الجريمة البشعة، لا أن يتساهل معهم ويُعفَى ويُطلَق سراحهم.
وفي الاتفاقية ذاتها نجد ذلك واضحاً في المادة 30 الفقرة 3
« تسعى كل دولة طرف إلى ضمان ممارسة أي صلاحيات قانونية تقديرية يتيحها قانونها الداخلي فيما يتعلق بملاحقة الأشخاص لارتكابهم أفعالاً مجرّمة وفقًا لهذه الاتفاقية؛ من أجل تحقيق الفعالية القصوى لتدابير إنفاذ القانون التي تُتخذ بشأن تلك الجرائم، ومع إيلاء الاعتبار الواجب لضرورة الردع عن ارتكابها» والعبارة الأخيرة جداً مهمة من هذه الفقرة من المادة 30 فهي تنصُّ على « مع إيلاء الاعتبار الواجب لضرورة الردع عن ارتكابها» فهي تدل دلالة واضحة على الاهتمام وإعطاء الاعتبار لهذه الحيثية المهمة من تشريع القانون بل وتنفيذه والخاصة بجريمة الفساد وهذه الحيثية كما في الفقرة المذكورة « الردع عن ارتكابها».
وفي العراق وانسجاماً مع الاتفاقية الأممية لمكافحة الفساد واستجابة لمتطلبات الانضمام إليها قدَّم القاضي (رحيم العـﮕيلي) بصفته رئيساً لهيئة النزاهة (سابقاً) مشروع (قانون مكافحة الفساد) قبل ست سنوات تقريبا، والذي كان من ضمن مواده وفقراته تجريم الفساد حتى في القطاع الخاص وهو ما أكدته المادتان (20 ، 21) من الاتفاقية والخاصتان بتجريم الرشوة واختلاس الممتلكات في القطاع الخاص، وهو – أي قانون مكافحة الفساد – على الرغم من عدم إقراره لكنه يمثل لبنة من لبنات أساس البناء التشريعي الخاص بمناهضة الفساد وتهديم أركانه، بل استجابة صادقة للالتزامات التي أخذها العراق على نفسه كعضو في الاتفاقية، وتلته خطوة لا بأس بها لكنها تحتاج إلى المراجعة والتدقيق والتعديل، ألا وهي إقرار قانوني هيئة النزاهة رقم 30 وديوان الرقابة المالية رقم 31 لسنة 2011، ونحن بانتظار سنِّ قانون مكاتب المفتشين العموميين لما تمثله من ركيزة مهمة من ركائز محاربة الفساد ينبغي منحها استقلالية عن مركز الوزارات وإبعادها عن سلطة الوزير، بل ربطها بهيئة النزاهة أو ما إلى ذلك؛ لتكون ذراع النزاهة الذي لا يمكن للوزير ليُّه.
هذا الأسبوع ربما سيُصوِّت مجلس النواب على مشروع قانون العفو العام، وربما يشمل معظم جرائم الفساد الإداري والمالي بها، وقد أبدت هيئة النزاهة والمعنيين بمحاربة الفساد تخوفهم من هذه الخطوة، فهي زيادة على أنها مخالفة للمادة (73) من الدستور التي استثنت الجرائم « ما يتعلق بالحق الخاص والمحكومين بارتكاب الجرائم الدولية والإرهاب والفساد المالي والإداري» وإنَّها ستُولِّـدُ الجرأة لدى الفاسدين على تكرار التجاوز على المال العام وارتكاب جرائم الفساد؛ لعلمهم بوجود نيَّاتٍ مستمرةٍ تُـفضي إلى شمولهم بقانون عفوٍ، تمثل نكوصاً ونكولاً عن التزاماته الدولية التي تعهَّد بها ليس فيما يتعلق بالاتفاقية الأممية وما يترتب على العراق من مساوئ عند تقييمه من قبل الدول الأعضاء بل حتى يشمل ذلك تعهداته للبنك وصندوق النقد الدولي ضمن الشروط التي يجب العراق الوفاء بها ضمن بنود وفقرات القروض التي اقترضها العراق؛ نتيجة للأزمة المالية التي يمرُّ بها؛ بسبب تدهور أسعار النفط.
وفي الختام أنقل كلاماً لأحد الدارسين لعلَّ أعضاء مجلس النواب يستفيقون من غفلتهم عن (الغاية التشريعية) من تجريم الفساد وتشديد العقوبات: إنَّ « أهداف السياسة العقابية وغاياتها، في أي نظام جزائي مرتبطة بنحو وثيق بالأهداف التي يبتغي المشرع تحقيقها عن طريق تشريعها.. لذلك فالعقاب الذي شُرِّع لحماية هذه الضرورات، يستند إلى جسامة هذه الجرائم، فلا يُنظر إلى شدة العقوبة أو قسوتها، وإنما يُنظر إلى أهمية الحق المعتدى عليه والحد المتجاوز، فبقدر الاحترام الذي يوليه (الدين والقانون) للحق المعتدى عليه، سواء أكان حقاً لله (أي لمصلحة المجتمع) أو حقاً للفرد، تتحدد درجة العقاب في الشدة أو التخفيف، إضافة إلى قدرة هذا العقاب على تحقيق أهداف السياسة العقابية الشرعية وغاياتها».
وأخيراً كان حرياً بمجلس النواب ليس شمول مقترفي جرائم الفساد بالعفو، بل السعي الحثيث لتعديل قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المواد المتعلقة بجرائم الفساد منه، ليتمَّ تشديد العقوبات لتتلاءم والوضع الراهن وخطورة المرحلة التي يمرُّ بها البلد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة